تحويل أموال المغتربين إلى أسرهم في بلادهم

السؤال: ابتلي المسلمون بواقع اجتماعي واقتصادي معقد، وقد اغترب الكثيرون عن ديارهم وأهلهم، ويحدث أن يتصل المغتربون ببعض التجار خارج السودان فيدفع المغترب بعض الريالات أو الدولارات للتاجر هناك، ويَعِده التاجر بأن يسلمها لأهل المغترب بالعملة المحلية في السودان فإلى أي مدىً يجوز مثل هذا التعامل؟ نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.
الإجابة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين، أما بعد:

فقد أجمع المسلمون على حرمة الربا وعلى أنه من الكبائر. نقل هذا الإجماع الأئمة الكبار كابن رشد (المقدمات: 3/16)، والنووي (المجموع: 9/391)، وابن قدامة (المغني: 4/3)، وقد حدّد النبي صلى الله عليه وسلم الأصناف التي يجري فيها الربا وذلك في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: "الذهبُ بالذهب، والفضةُ بالفضة، والبُر بالبُر، والتمرُ بالتمر، والشعيرُ بالشعير، والمِلحُ بالملح ربا إلاّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، سواءً بسواءٍ، يداً بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد" (رواه مسلم في المساقاة باب الصرف).

وعلة الربا في الذهب والفضة عند المالكية (حاشية الخرشي على خليل: 3/412) هي غَلَبة الثَّمَنَية, أي أنها ثمن الأشياء غالباً، وكذا عند الشافعية (المجموع: 9/393)، قال النووي رحمه الله في (المجموع): "فأما الذهب والفضة فالعلة فيهما كونمها جنس الأثمان غالباً"، وكذا قال محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، ونقل عنه ذلك الكاساني في (بدائع الصنائع) (بدائع الصنائع 5/185).

وهو الذي رجّحه ابن تيمية رحمه الله في فتاواه حيث قال: "والتعليل بالثمينة تعليل بوصفٍ مناسبٍ، فإن المقصود من الأثمان أن تكون معياراً للأموال، يُتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يُقصَد الانتفاعُ بعينها، فمتى بيع بعضها ببعض إلى أَجَلٍ قُصِد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمينة، واشتراط الحلول والتقابض فيها هو تكميل لمقصودها من التوسل بها إلى تحصيل المطالب، فإن ذلك إنما يحصل بقبضها، لا بثبوتها في الذمة، مع أنها ثمن من طرفين، فنهى الشارع أن يباع ثمنٌ بثمنٍ إلى أَجَلٍ، فإذا صارت الفلوس أثماناً صار فيها المعنى، فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل" (مجموع الفتاوى: 29/471 - 472).

.. وإذا تبين أن العلة في ربوية الذهب والفضة أنهما جعلا أثماناً للأشياء، فلا يخفى على منصفٍ أن العملات الورقية المتداولة اليوم -كالدينار والدولار والدرهم- تقوم بهذه المهمة بل أصبحت هي الثمنية الوحيدة للأشياء، فبها يتم البيع والشراء والتعامل ومنها تصرف الأجور والرواتب والمكافآت وتُقَيَّم المتلفات وتدفع الدِّيات، وعليه فإن هذه العملات الورقية تجري فيها أحكام الربا، وتعامل كأجناسٍ مختلفةٍ، فالدولار جنسٌ، والدينار جنسٌ، والدرهم جنسٌ، فيجوز التفاضل بين هذه الأجناس كأن يُباع الدولار بمائة دينار مثلاً، ولا يجوز النَّساء -أي التأخير تأخير أحد الجنسين- بل لابد من التقابض. لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلاّ مِثلاً بِمِثل، ولا تُشِفّوا بعضَها على بعضٍ، ولا تبيعوا الوَرِق بالوَرِق إلاّ مثلاً بِمِثلٍ، ولا تُشِفّوا بعضَها على بعض، ولا تبيعوا منها شيئاً غائباً بناجزٍ" (متفق عليه).

والصورة الواردة في السؤال والتي يتعامل بها كثير من الناس هي من ربا النَّساء المحرّم بالنص والإجماع.

والخَلاص من ذلك بأن يقوم وكيل الشخص الذي سلَّم الريالات بتسليم الدنانير إلى ذويها بنفسه في اليوم نفسه، بل إن استطاع في الوقت نفسه حتى يَسْلَم الجميعُ من التعامل بالربا، وقد يسّر الله أسباب ذلك بوجود وسائل الاتصال التي انتشرت في كل مكان، والله تعالى أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن شبكة المشكاة الإسلامية .