مستقبل العالم الإسلامي من حيث القوة والضعف

ما هو مستقبل العالم الإسلامي من حيث القوة والضعف حسبما نظرت السنة الشريفة، وكذلك مستقبل أعداء الإسلام في هذه الحياة الدنيا؟
هذا - يا أخي - من علم الغيب، هذا أمر إلى الله - عز وجل – وهو من علم الغيب لا يعلم مستقبل الناس إلا الله – سبحانه وتعالى -، لكن مقتضى الأدلة الشرعية أن الغربة تزداد، ما يأتي عام إلا والذي بعده شرٌ منه؛ كما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ). لكن قد تقع فجوات في الدهر ينتصر فيها الإسلام على غيره، ويظهر فيها الإسلام في بعض الأوقات، وفي بعض الجوانب من الدنيا، كما جرى في عهد عمر بن عبد العزيز، كان عهده أحسن من عهد الأمير الذي قبله بسبب ما قام به من الدعوة إلى الله وإلزام الناس بالحق، وكما جرى في نجد في عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - من ظهور الإسلام، والقضاء على أسباب الكفر، واجتماع المسلمين على الجهاد في سبيل الله، وعلى إخلاص العبادة لله وحده، وهدم القبور المعبودة من دون الله، والقضاء على الأوثان، فكانت الحال في النصف الثاني من القرن الثاني عشر وما بعده أحسن من الحالة في قرون كثيرة مضت، ظهر في الشرك، وظهر فيها الفجور والمعاصي. الحاصل أن الأصل أن الإسلام تشتد غربته عام بعد عام، وقرن بعد قرن، لكن في الجملة، هذا في الجملة كما قال جماعة من أهل العلم، وقد يأتي الله بزمان ينفس الله فيه عن المسلمين فيحصل فيه خير كبير وتكون الحالة فيه أحسن من الزمان الذي قبله رحمة من الله - جل وعلا -، وقد يكون ذلك في جانب دون ذلك، وفي إقليم دون إقليم كما جرى في وقت الشيخ محمد عبد الوهاب، وفي بلدان أخرى خرج فيها مصلحون فصارت الحالة في بلادهم أحسن من الحالة التي قبلها وقتا ما، والله - جل وعلا - أخبرنا أن هذا الإسلام ينتهي في آخر الزمان، وأن هناك ريحاً تخرج يرسلها الله - عز وجل - يقبض بها أرواح المؤمنين والمؤمنات، ثم يبقى الأشرار فعليهم تقوم الساعة. ففي آخر الزمان يقبض القرآن، يرفع القرآن، ويقبض المؤمنون والمؤمنات، ويبقى الأشرار فعليهم تقوم الساعة. لكن في هذا العصر، في أول هذا القرن، وفي آخر القرن السابق حصل بحمد الله يقضة للمسلمين، وحركة مباركة للمسلمين صار فيها المسلمون الآن أحسن من حالهم قبلها في أوقات، بسبب الحركة الإسلامية من الشباب وغيرهم، وسبب كثرة الدعاة إلى الله والجمعيات الإسلامية، والمراكز الإسلامية في شتى بقاع الأرض، وقد انتشر الدعاة من هنا وهنا، من الجامعة الإسلامية، ومن هذه الرئاسة، الرئاسة العامة للبحوث العلمية للإفتاء والدعوة والأرشاد، ومن الرابطة، ومن جهات أخرى. فالحاصل أن هذا الوقت الآن يبشر بخير من حركة أسلامية قوية وتكاتف ودعوة إلى الله ونشاط، فنرجو أن يكون المستقبل القريب أحسن من ما مضى بكثير. أما ما بعد ذلك فالله أعلم - جل وعلا - والأدلة معروفة في هذا الباب. وأما مستقبل الكفرة فكذلك، كلما نشط الإسلام ضعف جانب الكفر، وكلما ضعف الإسلام نشط جانب الكفر، وأما تفصيل الأشياء، وعلم نهاياتها، فهذا إلى الله - سبحانه وتعالى -، لكن الواجب على المسلمين أن يجتهدوا في نصر دين الله، والدعوة إلى الله، وأن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يحرصوا على جهاد الأعداء، ونشر تعاليم الإسلام حتى يظهر دينهم، وحتى يبقى دينهم، وحتى يستعيدوا بعض ما سلبه الأعداء منهم، هذا واجب المسلمين، وهذا واجب على الدول الإسلامية أن تتقي الله، وأن تحكم شريعته سبحانه، وأن تجتهد في إصلاح أوضاع بلادها، وإقامة حكم الله في بلادها وفي شعبها، هذا هو الواجب على جميع المسلمين، وقد سرنا ما سمعنا عن حكومة بنجلاديش من إعلانهم تحكيم الشريعة، واجتماعهم على هذا الأمر، وهذا يبشر بخير كثير، ونرجو أن يوفقهم الله لهذا الأمر، وأن يعينهم على تحكيم الشريعة، وأن يوفق الباقين لهذا الأمر، وأن يقتدوا بغيرهم ممن سعى وبادر إلى تحكيم الشريعة، وهكذا حكومة الباكستان عندها عزم كبير على تحكيم الشريعة، فنسأل الله أن يعينها على ذلك، وهكذا نرجو لبقية الدول الإسلامية كحكومة مصر، وحكومة الأردن، وغيرهما، نسأل الله لهم العون والتوفيق حتى يحكموا شريعة الله، وحتى يدعو النظم المخالفة لشرع الله، هذا هو الواجب عليهم، وبذلك ينصرهم الله ويعينهم ويحسن لهم العاقبة، ويجمع شملهم على الخير، والله المسؤول - سبحانه - أن يوفق المسلمين حكاماً ومحكومين، وقادة وشعوباً لكل مافيه رضاه، وصلاح عباده، وأن يعينهم على تحكيم الشريعة، والتمسك بها، وترك ما يخالفها، إنه - سبحانه وتعالى - سميع قريب. شيخ عبدالعزيز الناس بين متفائل ومتشائم تجاه ما وسموه بالصحوة الإسلامية، لعل لسماحتكم من كلمة في هذا المقام جزاكم الله خيرا؟ الواجب التفاؤل، وحسن الظن بالله، هذا هو الواجب، يقول الله - عز وجل - فيما صح عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - يقول سبحانه: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني). وفي صحيح مسلم عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: (لا يموتنَّ أحدٌ منكم إلا وهو يحسن ظنه بالله). فالواجب حسن الظن بالله، مع السعي الجاد، ومع العمل في نصر دين الله وإقامة شرع الله، وأن يحاسب كل واحد نفسه في آداء حق الله وترك معاصي الله، والوقوف عند حدود الله، وأن يعين حكومته في كل خير، يكون أميناً في وظيفته، يؤدي الأمانة، وينصحون الأمة، ويحافظوا على الحق، ويسارعوا إلى الصلاة، ويؤديها في وقتها مع الجماعة، وهكذا جميع أمور الإسلام، كل واحد مسؤول حتى يساعد الأمة في رجوعها إلى دين الله، وإقامتها لشريعة الله، وحتى يعين الدولة على ذلك، ويجب أيضاً على كل أسرة، وعلى كل جماعة أن تتعاون في هذا، في ترك ما حرم الله، وفي أداء ما أوجب الله، وفي التمكين بذلك والتعاون على ذلك، هذا هو واجب المسلمين، والله - سبحانه - يقول: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [(2) سورة المائدة]. ويقول سبحانه: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [سورة العصر]. هؤلاء هم الرابحون، الذين آمنوا بالله ورسوله أيماناً صادقاً، فعبدوه وحده، وأخلصوا له العبادة، وحكموا شريعته، وعملوا بما أوجب عليهم، وتركوا ما حرم الله عليهم، وتواصوا بذلك، وتناصحوا في ذلك، وتواصوا بالصبر على ذلك، هؤلاء هم الرابحون، هؤلاء هم السعداء في الدنيا والآخرة، وهذا هو الواجب على جميع المؤمنين وعلى جيمع المؤمنات أن يتواصو بالحق، وأن يتناصحوا، وأن يتعاونوا بالبر والتقوى، وأن يصبروا على ذلك حتى الموت؛ كما قال الله - سبحانه - لنبيه عليه الصلاة والسلام: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [(99) سورة الحجر]. ويقول سبحانه للمؤمنين جميعاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [سورة آل عمران (102)(103)]. ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) رواه مسلم في الصحيح. زاد في رواية أخرى: (وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم). فالمؤمنون واجب عليهم التناصح والتعاون. وهكذا النساء المؤمنات يجب عليهن التناصح والتعاون فيما بينهن، ومع الرجال ومع أهلهن، فالواجب مشترك، يقول الله – سبحانه -: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [(71) سورة التوبة]. ويقول سبحانه: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ [(110) سورة آل عمران]. فالواجب على الجميع في كل مكان وفي كل زمان التعاون مع الخير، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً، عرباً وعجماً، هذا واجب على الجيمع أن يتعاونوا على البر والتقوى أينما كانوا، وأن يتواصوا بالحق كتابة ومشافهة، وبكل طريق، رزق الله الجميع للتوفيق والهداية. إذاً هذا هو الطريق الصحيح الذي يراه الشيخ عبد العزيز بن باز للصحوة الإسلامية؟ هذا هو الطريق الصحيح، وهذا الذي يراه المسلمون، يراه أهل الحق، وأهل العلم أن الواجب تغذية هذه الصحوة واليقظة، والإعانة لمن قام بها، والشكر له على ذلك، والتوجيه والدعم حتى يكثر الخير، ويقل الشر.