اشتراط الولي في صحة النكاح

السؤال: أَيِّمٌ رشيدة مالكة لأمر نفسها، وكلت رجلاً ليتزوجها بحضور عدلين شاهدين على الوكالة، وصار بمثابة وليٍّ عنها وعن نفسه، علماً بأن لها ولداً، فهل العقد صحيح أم أنه لابد من إذن ولدها، وإذا كان لابد من إذنه وأذن فهل يجدد العقد، وما مدى صحة الحديث الذي معناه الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن؟
الإجابة: بالنسبة للولي ركن من أركان النكاح، شرطه الرسول صلى الله عليه وسلم فيما روت عائشة في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيما ما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل"، وكذلك فيما أخرجه أصحاب السنن وأحمد في المسند والحاكم في المستدرك وابن حبان في الصحيح وابن خزيمة في الصحيح عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي".

لكن هذا الولي ينقسم إلى قسمين: إلى ولي مجبر وولي مشارك فقط غير مجبر، فالولي المجبر هو ولي البكر غير المالكة أمر نفسها أو غير المرشدة، وهو والدها أو وصيها الذي أوصاه أبوها على تزويجها، فهذا يكون مجبراً وليس معنى الإجبار على الراجح الإكراه على ما تكرهه، بل المقصود أن عقده يصح ويكون هو منفرداً بأصل العقد فهو الذي يملك عقدة النكاح.

وأما الولي المشارك فهو ولي المدخول بها المالكة لأمر نفسها فإنه مشارك في عقد النكاح يسددها هي وينصحها ويقوم بالعقد ويتولاه على الأفضل، وإن لم يتوله وكل من يتولاه ممن يعرف طريقة العقد في الشرع، وهؤلاء الأولياء غير المجبرين أولاهم مختلف فيه: هل هو الأب أو الولد؟ لأن الأب يكون مجبراً وغير مجبر، فلذلك قال المالكية الأب أولى من الولد، وقال جمهور العلماء الولد أولى من الأب، لأنه أقرب إليها منه في التصرف وأكثر استمراراً معها، وعلى كلٍ فالخلاف في هذا الأمر بسيط لأنه بين شخصين فقط أيهما أولى الوالد أو الولد؟ والله تعالى يقول في الميراث: {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله}، ثم بعد هذا يأتي ترتيب الأولياء الإخوة الأشقاء ثم الإخوة لأب ثم الأعمام الأشقاء ثم الأعمام لأب ثم الجد وقد قيل إن الجد مساو للإخوة الأشقاء، وقد قيل هو مساو للأعمام، ثم بعد ذلك بنو العم وإن علوا.

فإن كان هذا الزوج الذي وكلته المرأة على عقد النكاح من أسرتها -أي ابن عمها- فيمكن أن يكون ولياً والنكاح يصح بأبعد مع أقرب إن لم يجبر، ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة رملة بنت صخر أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بالحبشة وكان وليها إذ ذاك عمرو بن سعيد بن أسيد بن أمية بن عبد شمس وبحضرتها في الحبشة عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وعثمان ألصق بها نسباً من عمرو فجده شقيق جدها، بخلاف عمرو، فعلى هذا يصح تزويج الأبعد مع وجود الأقرب إن لم يجبر.

وعلى هذا يمكن أن يتولى الرجل الطرفين فيكون متصرفاً عن نفسه وعن زوجته، ولذلك يقول خليل رحمه الله تعالى: "وبأبعد مع أقرب إن لم يجبر"، ويقول أيضاً: "ولابن عم ونحوه تزويجها من نفسه وتولي الطرفين" أي يصح أن يتولى الطرفين، فلذلك يعتبر هذا النكاح صحيحاً إن شاء الله تعالى.

وأما حديث: "الأيم أحق بنفسها من وليها"، وحديث: "الثيب تستأذن والبكر تستأمر وإذنها صماتها" فهذه أحاديث صحيحة، ولكن القضية هي قضية دلالتها. ما الذي تدل عليه هذه الأحاديث؟ وهو لا يخرج عما ذكرناه من أقوال أهل العلم.

إذا لم يكن الرجل من بني عمومتها فكان أجنبياً فإن النكاح لا يصح لأنه لا يعتبر وليا لها، لأن أولياءها هم الذين يدون عنها يتحملون عنها الدية من بني عمها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ حفظه الله.