حكم أخذ الماء والكهرباء خفية على الدولة

السؤال: ما حكم أخذ الماء والكهرباء خفية على الدولة وهل يجوز استعمال ذلك أم لا؟
الإجابة: إنَّ على الناس أن يعلموا أن الأموال العمومية ملك محترم. والأخذ منها كالأخذ من الغنيمة قبل أن تقسم. وسيأتي صاحبها يحمل ما أخذ يوم القيامة على عاتقه. سواء كان رئيساً أو وزيراً أو فرداً من أفراد المجتمع. فكل من أخذ شيئاً من المال العام بغير حقه فسيأتي يحمله على عنقه يوم القيامة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الغلول فعظَّم من شأنه وقال: "ألا لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته فرس لها حمحمة، يقول: يا محمد أغثني، ولست له بمغيث. ألا لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته بعير له رغاء، يقول: يا محمد أغثني، ولست له بمغيث. ألا لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته بقرة لها خوار، يقول: يا محمد أغثني، ولست له بمغيث. ألا لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته شاة تيعر، يقول: يا محمد أغثني، ولست له بمغيث. ألا لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته رقاع تلوح، يقول: يا محمد أغثني، ولست له بمغيث. ألا لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته صامت، يقول: يا محمد أغثني ولست له بمغيث. ألا هل بلغت؟"

إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ، وإن الله سبحانه وتعالى قد حذر غاية التحذير من الغلول، فقال: {ومن يغلل يأتي بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت}، فكل إنسان سيأتي بما غلَّ يوم القيامة يحمله فليستكثر إذاً أو فليستقلل.

وليعلم الناس كذلك أن الفهم السائد في هذا المجتمع للدولة هو فهم خاطئ، فالناس يتعاملون مع الدولة على أنها مثل المستعمر الكافر، وأن أملاكها أملاك الكفار، من استطاع أن يأخذ منها شيئاً أخذه، وهذا غاية الخطأ في الفهم، فالدولة إنما هي هذا الشعب، والمال الذي لدى الدولة هو مال اليتامى والفقراء والعجزة، وليس يبيحه أن يُعطى من غير حقه، حتى لو مُنِحَ من جهة رسمية، وكان المانح له منحه في غير حقه، فإن ذلك لا يبيحه شرعاً، بل يأتي المتسبب والمباشر يحملانه يوم القيامة.

إن كثيراً من الناس يخطئ في فهم هذه المؤسسات العامة: كالدولة والوزارة والمؤسسة، وهذه لا تُبعث يوم القيامة. إنما يُبعث الأشخاص، لا يأتي يوم القيامة رئيسٌ ولا وزيرٌ ولا حاكمٌ ولا مسؤول، إنما يأتي أفراد: {وكلهم ءاتيه يوم القيامة فردا}.

ولذلك فالذين يقولون إن مال الدولة هو ملك للمؤسسة، وليس له حائز مباشر فبالإمكان أن يتصرف فيه وأن يأخذ منه الإنسان ما شاء: هؤلاء إنما يغرهم الشيطان بما يقولون، وسيحملون ما أخذوا، وما أخذه أيضاً من تذرع بأقوالهم ومن اقتدى بهم من بعدهم فهم جميعاً مشتركون في الوزر بين يدي الله عز وجل.

ألا فليعلم كل مسؤول وكل من له يد قد بسطها على مال الله أنَّ ما تحت أيديهم من المال ملك لجميع أفراد المسلمين وما لم يوصل إلى مستحقيه من المسلمين فهو عقوبة ونكال يوم القيامة تشهد على الذين بسطوا أيديهم عليه، وليتذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما أخرج عنه أصحاب السنن وأحمد في المسند والحاكم في المستدرك من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: غلا السعر على زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فأتيناه فقلنا: يا رسول الله سعِّر لنا، فقال: "إن الله هو الحي القيوم الخالق الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله غدا وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في نفس أو مال"، هذا الرسول الكريم الذي غفرالله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يتورع عن أن يسعِّر للناس خشية أن يزيد السعر أو أن ينقص فيه فيظلم الناس أفلا يخاف من وراءه الله، أفليسوا أجدر بأن يتقوا الله سبحانه وتعالى ويخافوه؟!

وليتذكروا كذلك حال أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما حضره الموت دعا عائشة أم المؤمنين فقال: "إذا مت فاغسلوا ثوبي هذا فكفنوني فيه"، قالت: فقلت: أفلا نشتري لك كفناً جديداً؟ قال: "الحي أولى بالجديد، وإنما هو للمهلة والدود" و"المهلة:الصديد".

وكذلك فإن عمر رضي الله عنه عندما حضره الموت دعا ولده عبد الله فقال: "انظر إلى كل شيء أخذته من بيت المال -أي إلى راتبه مدة خلافته عشر سنوات وستة أشهر- انظر إلى كل شيء أخذته من بيت المال فاردده فيه، فإني إنما أخذت ما وهب الناس لأبي بكر، فإن أبا بكر عندما ولي الأمر مكث سنة لا يأخذ شيئاً من بيت المال، فلما نفدت تجارته جمع الناس في المسجد، فقال: أيها الناس: إنكم شغلتموني بأموركم عن تجارتي، فاجعلوا لي رزقاً من بيت مالكم فأعطوه شاة في اليوم، وأربعة دراهم. فأخذت أنا ما أعطى الناس أبا بكر، وأخشى ألا أكون أديت إليهم من الحق ما أدى أبو بكر، فاردد إلى بيت المال كل شيء أخذته منه، فإن كان في مال آل عمر سداد، وإلا فخذ في بني عدي ابن كعب، ثم في قريش فلأن يكونوا خصومي يوم القيامة أحب إلي من أن يخاصمني المسلمون".

وكذلك ليتذكروا أن عثمان رضي الله عنه حين ولي الخلافة دعا أهل بدر في المسجد فقال: "أنتم الملأ من المسلمين، وأمر هذه الأمة إليكم وإني قد ولِّيت هذا الأمر وأنا غني من الأغنياء لا أحتاج إلى شيء من بيت المال، فخذوه فاصرفوه في مصارفه، ولدي من المال ما يكفيني". فلم يأخذ أي مرتب من بيت المال حتى لقي الله. وقد مكث خليفةً إحدى عشرة سنة وأشهراً.

وليتذكروا أن علياً رضي الله عنه حين تولى أمر هذه الأمة كان يحفظ بيت المال بنفسه، ويتولى رعايته بنفسه، وكان يضع مفتاحه في كمه ويباشر الصرف بنفسه ويُشهد عدلين على كل شيء صرفه من بيت المال، حتى إذا نفد ما فيه قمَّه بثوبه ونضح فيه من الماء، وصلى فيه ركعتين.

إن الذين يعلمون أن أمامهم يوماً طويلاً يحاسبون فيه بالدوانيق يجد فيه المرء ما قدم، وتُعرض فيه الموازين بالقسط ليوم القيامة وتوضع فيه الأعمال فتوزن بمقاييس الذر، عليه أن يتقي الله سبحانه وتعالى في الأملاك العامة التي يشترك فيها اليتامى والفقراء والمساكين والمحرومون.

وليعلم صاحب هذا السؤال بعينه: أن شركة الماء والكهرباء ليست أيضاً ملكاً عمومياً بل هي شركة مساهمة وفيها أملاك خاصة، فأخذ أي شيء من الكهرباء أو الماء بدون الرجوع إلى العداد ظلم وأخذ للمال بالباطل.

ولا أبرئ الشركة أيضاً أنها تظلم الناس، وتجعل عليهم ما ليس عليهم، لكن الظلم لا يُحِلُّ الظلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك"، فالمؤمن يؤدي الأمانة كما أمره الله ولا يخون بسبب أن الآخرين خونة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.