الفرق بين الزهد والورع

السؤال: سائل يسأل عن معنى كل من الزهد والورع، وهل هما شيء واحد أو بينهما فرق؟ وإذا كان بينهما فرق، فما الفرق بينهما؟
الإجابة: الزهد أبلغ من الورع، وأشرف منه، والورع داخل في ضمن الزهد، فكل زاهد ورع، وليس كل ورع زاهدًا، وإن كانا يشتركان في ترك المحرمات عمومًا والمكروهات والمشتبهات، وفعل الطاعات في الواجبات والمستحبات وأشياء أخرى، لكن الزهد أبلغ من الورع وأرقى منه.

ومن أجود ما قيل في الفرق بين الزهد والورع ما ذكره ابن القيم رحمه الله في (مدارج السالكين) بقوله: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول:
- الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة.
- والورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة.
وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها. انتهى.

▪ فأما الورع فقد تكلم عنه القوم، وكُلٌّ تكلم فيه بحسب ذوقه وعلمه.

- فقال أبو سليمان الداراني: الورع أول الزهد كما أن القناعة أول الرضاء.
- وقال سفيان الثوري: ما رأيت أسهل من الورع، ما حاك في نفسك فاتركه.
- وقال الحسن: مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة.

▪ وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الورع كله بكلمة واحدة فقال: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (1)، فهذا يعم الترك لما لا يعني من الكلام، والنظر، والاستماع، والبطش، والمشي، والفكر، وسائر الحركات الظاهرة، والباطنة. فهذه الكلمة كافية شافية في الورع.

▪ وأما الزهد: فقال سفيان الثوري: الزهد في الدنيا ليس بأكل الغليظ ولا لبس العباء. وقال: إنما الزهد في قوله تعالى: {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا ءَاتَاكُمْ وَالله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (2)، فالزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود، ولا يأسف منها على مفقود. انتهى.

وليس المراد رفضها بالكلية، فقد كان سليمان وداود عليهما السلام من أزهد أهل زمانهما، ولهما من المال والملك والنساء ما لهما، وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من أزهد البشر على الإطلاق وله تسع نسوة، وكان عبد الرحمن ابن عوف والزبير وعثمان رضي الله عنهم من الزهاد مع ما كان لهم من الأموال، وكان الحسن بن علي رضي الله عنه من الزهاد، مع أنه كان من أكثر الناس محبة للنساء ونكاحًا لهن وأغناهم، وكان عبد الله بن المبارك من الأئمة الزهاد مع مال كثير، وكذلك الليث بن سعد من أئمة الزهاد، وكان له رأس مال يقول: لولا هذا لتمندل بنا هؤلاء.

ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة -إذا أصبت بها- أرغب منك فيها لو لم تصبك. فهذا من أجمع الكلام في الزهد وأحسنه.

وقال الإمام أحمد بن حنبل: الزهد في الدنيا قصر الأمل. وعنه رواية أخرى: أنه عدم فرحه بإقبالها، ولا حزنه على إدبارها؛ فإنه سئل عن الرجل يكون معه ألف دينار، هل يكون زاهدًا؟ قال: نعم، شريطة أن لا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت.

وقال الإمام أحمد أيضا: الزهد على ثلاثة أنواع:
- فالأول: ترك الحرام، وهو زهد العوام.
- والثاني: ترك الفضول من الحلال، وهو زهد الخواص.
- والثالث: ترك ما يشغل عن الله، وهو زهد العارفين.

فهذا الكلام من الإمام أحمد يأتي على جميع ما تقدم ذكره من كلام المشايخ، مع زيادة تفصيله، وتبيين درجاته، وهو من أجمع الكلام، وهو يدل على أنه رضي الله عنه من هذا العلم بالمحل الأعلى، وقد شهد الشافعي رحمه الله بإمامته في ثمانية أشياء أحدها الزهد.

والذي أجمع عليه العارفون: أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا، وأخذه في منازل الآخرة، وعلى هذا صنف المتقدمون كتب الزهد، كالزهد لعبد الله بن المبارك، وللإمام أحمد، ولوكيع، ولهناد بن السري، ولغيرهم. انتهى من (مدارج السالكين) ملخصًا.

___________________________________________

1 - الترمذي (2317)، وابن ماجه (3976)، قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه.أ.هـ. وقال النووى: حديث حسن. وقال ابن عبد البر: هذا الحديث محفوظ عن الزهري بهذا الإسناد من رواية الثقات. قال ابن رجب في (جامع العلوم والحكم) (1/ 287): وهذا موافق لتحسين الشيخ له، وأما أكثر الأئمة فقالوا: ليس هو بمحفوظ بهذا الإسناد، وإنما هو محفوظ عن الزهري عن علي بن الحسين عن النبي مرسلاً، كذلك رواه الثقات عن الزهري... (إلى أن قال) وممن قال: إنه لا يصح إلا عن علي بن الحسين مرسلاً الإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري والدراقطني... والصحيح فيه المرسل.أ.هـ.
2 - سورة الحديد: الآية (23).