أثر ردة الزوجة عن جهل - شروط تكفير المعين

السؤال: إذا ارتدت المرأة عن جهل، فهل تخرج بذلك من عصمة زوجها؟
الإجابة: الردة محبطة للعمل على الراجح، فمذهب جمهور أهل العلم أن الإنسان إذا ارتد عن الإسلام فإن عمله قد بطل جميعاً، وذهب الشافعية إلى تقييد ذلك بعدم الرجوع إلى الإسلام أي بأن يموت على ردته، فإن أسلم لم يبطل عمله.

وسبب الخلاف هو الخلاف في المطلق هل يحمل على المقيد أو لا؟ لأن الله تعالى جاء بالإطلاق في عدد من الآيات كقول الله تعالى: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لإن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين}، وقال تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين}، ولكنه قيَّد في آية البقرة، وهي قول الله تعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} فقد اشترط هنا أن يموت على الكفر.

فمذهب الشافعي أن المطلق يحمل على المقيد، وعليه فكل الآيات التي فيها إطلاق تحمل على المقيد، وهو آية سورة البقرة فلا يبطل العمل بالردة إلا إذا مات الإنسان عليها نسأل الله السلامة والعافية.

ومذهب الجمهور أن المطلق يبقى على إطلاقه، وأن المقيد يبقى على قيده، وعليه فإن من ارتد فقد حبط عمله مطلقاً.

ثم بعد ذلك اختلف أهل العلم فيما يدخل في العمل الذي يبطل بالردة عن الإسلام، فأجمعوا على أن الإنسان إذا ارتد في وقت الصلاة بعد أن صلاها ثم تاب ورجع إلى الإسلام فلابد أن يصلي مرة أخرى عند غير الشافعية ما دام الوقت سائراً، وكذلك فإنها ناقضة للطهارة قطعاً، وكذلك مبطلة للحج إذا تقدم، ومبطلة للصوم إن كانت فيه، كمن ارتد في نهار الصوم فإنه قد بطل نهاره ذلك، وله بقية يومه ويلزمه قضاء.

وعند الشافعية ليس له بقية يومه ولا يلزمه القضاء بل صومه صحيح، وعلى هذا فإن المالكية يراعون خلاف الشافعية في هذه المسألة فيرون أن من ارتد في نهار الصوم إن كان ذلك في نهار رمضان فليس له بقية يومه إن تاب بل يمسك في بقية يومه مراعاة لمذهب الشافعية أن الصوم لا يبطل بالردة إلا إذا مات الإنسان عليها.

واختلفوا كذلك في الإحصان كمن كان متزوجاً قبل ردته ودخل بأهله فأصبح محصناً ثم بعد ذلك ارتد عن الإسلام -نسأل الله السلامة والعافية- ثم تاب فرجع إلى الإسلام ثم زنا قبل أن يتزوج -نسأل الله السلامة والعافية- فهل يقام عليه حد المحصن أو حد البكر؟ فمذهب جمهور أهل العلم أن الإحصان فعلٌ فهو من عمله، والعمل يبطل بالردة، وعلى هذا فإنه يعود بكراً فتجرى عليه أحكام البكر، وذهب الحنفية إلى أن الإحصان ليس من العمل بل هو باقٍ كما كان فهو وصف ذاتي للإنسان، فقد كان محصناً فيبقي على إحصانه فتجرى عليه أحكام المُحصن، فيرجم إن زنا.

والردة أيضاً لابد من التفصيل فيها، لأن كثيراً من الناس يظنون أن كل ناطقٍ بالكفر فهو مرتد عن الإسلام وهذا غير صحيح، بل إن الإنسان لا يكفر إلا إذا تحققت فيه شروط تكفير المعين وهي سبعة:

فالشرط الأول: أن لا يكون مُكرهاً على قول الكفر أو فعله، لقول الله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} فالمكره لا يعتبر مرتداً ولا يكفر بذلك.
والإكراه قسمان: مُلجئ، وإكراه غير ملجئ.
الإكراه الملجئ: هو الذي لا يستطيع صاحبه التخلص منه، وهو المعتبر شرعاً في سائر الأمور.
والإكراه غير الملجئ: أيضاً يعتبره بعض الناس لأنه على الأقل شبهة، والشبهة يدرأ بها الحد، وحد الردة هو من الحدود، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ادرؤوا الحدود بالشبهات".
والحنفية لم يعتبروا الإكراه غير الملجئ، اعتبروا الإكراه الملجئ فقط ولم يعتبروا ما سواه من أنواع الإكراه.
والمالكية والشافعية والحنابلة اعتبروا الإكراه الملجئ مسقطاً للحد مطلقاً، واعتبروا الإكراه غير الملجئ شبهة كذلك مسقطة للحد، لأن الإكراه الملجئ صريح في الآية، والإكراه غير الملجئ على الأقل شبهة.

ثم بعد هذا الشرط الثاني: أن لا يكون جاهلاً بالكفر: فإن كان جاهلاً بما قال لا يظنه كفراً فقاله، ثم بعد ذلك علم أنه كفر وتاب منه فإن الراجح أن هذا لا يُعتبر كفراً، وهذا مذهب جمهور أهل العلم، وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إله كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون} ولم يقل: "إنكم قوم تكفرون" فوصفهم بالجهل فعذرهم به.
وكذلك ثبت في حديث أبي واقد الليثي أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ على شجرة كانت تدعى في الجاهلية ذات أنواط، وكنَّا قوماً حديثي عهد بشِرْكٍ فقلنا: يا رسول اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال: "الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفس محمد بيده ما قال أصحاب موسى": {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة}.

ومع ذلك لم يُكفِّر النبي صلى الله عليه وسلم أحداً منهم، وكذلك صح في صحيح البخاري وغيره أن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ عجوزان من اليهود، فلما جلستا ذكرتا عذاب القبر فكذبتهما، ولم أنعم أن أصدقهما، فلما خرجتا دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن عذاب القبر، فقال: "عائذاً بالله من عذاب القبر، ثم لم أزل بعد أسمعه، يستعيذ بالله من عذاب القبر"، فالنبي صلى الله عليه وسلم علَّم أن عائشة أنكرت عذاب القبر، وعذاب القبر من عقيدة المسلمين، ولا يحل إنكاره، ومن أنكره غير جاهل به كفر، لكنه لم يكفر عائشة بذلك ولم يجدد عصمتها لأنها لم تكن تعلم بهذه العقيدة من قبل، فعَذَرَها بجهلها.

والشرط الثالث: أن لا يكون الإنسان قاصداً للكفر، فإن القصد معتبر في أحكام الشرع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"، فمن لم يقصد الكفر وإنما وقع لسانه في الكفر من غير قصدٍ كغلط اللسان ونحو ذلك فإنه لا يكفر به، لما أخرج مسلم في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن من أحدكم يكون على راحلته بفلاةٍ من الأرض وعليها زاده ومتاعه، فبينما هو عليها إذ نفرت منه فطلبها حتى إذا أيس منها رأى شجرة فقال: لعلي أموت عندها، فبينما هو على ذلك إذا راحلته عنده فأمسك بزمامها أو بخطامها، وهو يقول: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح"، فهذا لم يُكفِّره، وكذلك أخرج مسلم في الصحيح في حديث آخر رجل يدخل الجنة أنه يقول: "اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح".
فخطأ اللسان لا يكفر به، وهذا محل إجماع بين أهل العلم، وإن كان القاضي عياض ذكر في شرح صحيح مسلم أن بعض أهل العلم خالف ذلك، وقد نظم هذا العلامة محمد مولود في الكفاف إذ قال:
....................... *** أجمعت الأمة في من أجرى أن ليس يحكم له بالردة *** وهو وإن خالفه أجله فاللفظ لا القصد وإن صح رعوا *** على لسانه ضلالاً كفَرا والنسفي عمدتي وعمدة *** منها أبو الفضل عياض جلة وهكذا قرائن الحال لغواً *** ........................
لكن ما قاله عياض أو ما حكاه عن غيره محجوج بهذه الأحاديث الصحيحة التي فيها الوقوع في لفظ الكفر من غير قصد ولم يكفر قائله، ومن ذلك أيضاً ما ثبت في حديث الحجاج بن علاط السلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له في غزوة خيبر حين أرسله إلى العباس بن عبد المطلب يخبره بنتيجة المعركة أن يكذب على قريش حتى يستخلص منهم ماله، وكان الحجاج ابن علاط تاجراً وكان قريش يقترضون منه، فتراكمت له ديون على أهل مكة فلما علموا بإسلامه منعوه دينه، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر كان قريش إذ ذاك قد عقدوا معه عقد الهدنة على عشر سنوات، وتمنوا أن يتخلصوا منه فظنوا أن اليهود سيقتلونه وتباشروا بذلك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجاج بن علاط يخبر العباس بنتيجة المعركة، فجاء إلى العباس، فقال: اكتم عني ثلاثاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هزم اليهود، قتل منهم تسعين وأسر منهم تسعين وتركته مُعرساً على ابنة ملكهم، ثم أتى قريشاً فقال: "إن اليهود غلبوا محمداً وأصحابه وأسروه، وقالوا لن نقتله حتى نبيعه بمكة"، وهذا القول ردَّة، فمن ادعى أن نبياً من الأنبياء هُزم فقد ارتد، لأن هذا تنقص من شأن نبي من الأنبياء، وكل سب لأي نبي من الأنبياء هو ردة عن الإسلام، لكن الحجاج لم يرتد لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له في الكذب على قريش، وهو لم يقصد بذلك التنقص وإنما أراد به استخلاص ما له فقط، وكان ذلك بإذن فهذا النوع يعذر به صاحبه.
كذلك إذا كان الإنسان مغلوباً على عقله فإن العقل مناط التكليف والمغلوب على عقله رفع عنه القلم، ودليل ذلك ما أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه كان فيمن قبلنا رجلٌ عاصٍ لله تعالى، فلما أدركه الموت دعى أولاده وذويه فأخذ عليهم العهود والمواثيق، إذا هو مات أن يحرقوا جثته، وأن يقسموا رماده فيذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، قال: "فلئن قدر الله علي فليعذبنني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين" يشك في قدرة الله، فلما مات فعلوا به ما أمر، فأمر الله البر فجمع ما فيه والبحر فجمع ما فيه، فقال: أي عبدي ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب، فغفر له.
فهذا الرجل وإن قال الكفر لكنه قاله وهو مغطىً على عقله من خشية الله، مغلوب على عقله من خشية الله، ولذلك يذكر أهل العلم أن من كان في حال يغطي على عقله كالسكر والجنون ومثل ذلك التأثر الشديد بالموعظة أو التأثر الشديد بالعبادة كما يحصل لبعض أهل التصوف فهذا النوع الذي يسمى بالشطح إذا وقع فيه الإنسان في الكفر في ذلك الحال فإن بعض أهل العلم لم يُكفِّره بذلك.
لكن بعضهم قالوا إنه إذا كان ذلك بسبب ظاهر فيعامل بأحكام الكفر في الدنيا، ولا يعامل به في الآخرة، فالرجل الذي قال هذا القول يعامل في ظاهر الشرع وأمور الدنيا بما تلفظ به لأن تغطية العقل أمر باطني لا نطلع نحن عليه، ولذلك ما عرفناه في قصة الرجل إنما عرف عن طريق الوحي والله تعالى سأله: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب، فغفر له. ولهذا قال المقري:
وما يفوهون به في الشطح *** فقيل غير مقتضٍ للقدح
"فقيل غير مقتضٍ للقدح" أي قال بذلك بعض أهل العلم، وقال آخرون: هو مقتضٍ له، وعلى هذا فإن المرأة إذا كانت جاهلة ببعض أمور العقائد فنطقت بالكفر جهلاً عن غير قصد للكفر فإن ذلك، لا يُخرجها من الإسلام، وبالتالي لا يبطل نكاحها.

وقد حصل في هذا مسائل في هذه البلاد، منها: أن فتاة من بني مالك في هذه البلاد في أيام العلامة ابن متال سمعت أن الملائكة لا يشربون ولا يأكلون ولا ينامون، فأنكرت ذلك، قالت: من المستحيل أن يكونوا أحياءً ولا يشربون ولا يأكلون ولا ينامون، فأفتى أحمد فال بردتها وبطلان نكاحها، وأفتى العلامة ابن متال بصحة نكاحها وأنها غير مرتدة، فلما سمع أحمد فال بذلك قال: "اكفرها كَاع ألا ذا التندغي" يقصد بذلك أن الشك في كفر الكافر كفر، فلما سمع ذلك ابن متال أرسل إليه فسأله: ما الدليل على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون من القرآن؟ أو من المعلوم من الدين بالضرورة من السنة؟ فتردد أحمد فال فلم يستحضره، فقال هو من القرآن قول الله تعالى: {يسبحون الليل والنهار لا يفترون}، فلم يبق لهم وقتٌ للأكل ولا للشرب، لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، أي لم يَبقَ لهم وقت للأكل ولا للشرب، وإذا كنت أنت على جلالة قدرك وعلمك لا تعرف هذا ففتاة صغيرة معذورة فيها، فكانت هذه الفتوى إذ ذاك بعد بيان ابن متال للحكم محل اتفاق بين المفتين في ذلك الزمان ثم بعد هذا.

الشرط الرابع: أن لا يكون الإنسان مأسوراً بعادة، فالإنسان الذي يجري على لسانه بعض ألفاظ الكفر وهو لا يعلم أنها كفر ولكنه وجدها شائعة على ألسنة الناس كالاستغاثة بالمخلوق إذا عثر، قال: "يا عُمر" أو "يا رسول الله" أو "يا أهل بدر" أو نحو هذا فهذا النوع من الاستغاثة بالمخلوق هو في أصله شرك، لقول الله تعالى: {ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير * إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير}، وقد جاء فيه عدد كثير من الآيات المصرحة بأنه كفر لكن الإنسان إذا كان مأسوراً بالعادة فرأى ذلك شائعاً في مجتمعه فتلفظ به من غير قصد وصف هؤلاء بالألوهية فإنه لا يكفر بذلك، لكن يلزمه أن يقول: "لا إله إلا الله" كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تحلفوا باللات ولا بالعزى، فمن قال ذلك فليقل: لا إله إلا الله"، وفي رواية: "فليقل آمنت بالله".
فقد كان أهل الجاهلية يحلفون باللات والعزى، وكان هذا أمراً دارجاً على ألسنتهم، فلما كان دارجاً على الألسنة أصبح بعض من أسلم يتعود عليه، فإذا سها حلف باللات والعزى من غير قصدِ تعظيمِ الأصنام فلم يُكفرهم بذلك، وأمرهم أن يقولوا: "لا إله إلا الله" إذا جرى هذا اللفظ على ألسنتهم.

الشرط الخامس: أن تقام الحجة على الإنسان، فالإنسان إذا لم تقم عليه الحجة فقال قولاً هو كفرٌ بالله تعالى أو فعل فعلاً هو كفرٌ ولكنه لا يراه كفراً وينكر أن يكون كفراً، وينكر أن يكون كافراً، ومن خاطبه بالكفر غضب، فهذا لم تقم عليه الحجة، وقد قال الله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}، فلا بد من إقامة الحجة، وإقامة الحجة لا تكون بخطاب من هو أدنى منه، فإن كثيراً من الشيوخ من أهل العلم وكبار السن إذا خاطبهم الشباب الصغار وبيَّنوا لهم ولو بيَّنوا لهم بالآية والحديث لا يكون ذلك حجةً عليهم، لأنهم يرون مستواهم دون مستواهم، فلا تقوم عليهم الحجة بخطاب أولئك، إنما تقوم عليهم الحجة بخطاب من يثقون بعلمه ومستواه أو من كان في مستواهم على الأقل، فهذا الذي يستطيع إقامة الحجة عليهم.

الشرط السادس: ثبوت ذلك عليه: فإن الإنسان إذا قاله ثم أنكره أو لم تقم عليه به بينة فذلك غير معتبر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا أمر برجم ماعز حين أقر بالزنا، فلما آلمته الحجارة هرَبَ فتبعوه فرماه خالد بن الوليد بحجرٍ ففلق رأسه، فقال: "هلا تركتموه إذ هرب فلعله يتوب فيتوب الله عليه"، ومن المعلوم أن التوبة لا تسقط الحد، فحد الزنا لا تسقطه التوبة، وماعزُ أصلاً ما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد تطهيره من الزنا إلا وهو تائب، وقد بيَّن أنه تاب توبة لو تابها صاحب مكس لغُفر له، وصاحب مكس هو الجمركي أي الذي يأخذ مال الناس من غير رضاهم قال: "لقد تاب توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له"، ومع ذلك هنا يقول: "هلا تركتموه إذ هرب فلعله يتوب فيتوب الله عليه"، قال أهل العلم: معنى ذلك أن هربه دليل على رجوعه عن إقراره، والزنا لم يثبت عليه بشهادة، وإنما ثبت عليه بالإقرار، وهربه من إقامة الحد عليه رجوع له عن الإقرار، وإذا رجع عن الإقرار في أثناء إقامة الحد سقط عنه الحد، فكل من لم يثبت عليه الحد إلا بإقرار إذا رجع عن الإقرار في أثناء الجلد رفع عنه الحد به، لأن رجوعه على الأقل شبهة، والشبهة تدرأ الحد، ولذلك فحد الردة كذلك يدرأ برجوع الإنسان عن الكفر، ومنه إنكاره له، أن ينكر أن يكون قال هذا القول أو فعله فذلك رافع للحد عنه.

وكذلك أن لا يكون متأولاً، وهذا الشرط السابع والأخير: أن لا يكون متأولاً، والمتأول هو طالب الحق باجتهاده، حيث يسوغ له الاجتهاد، فإن كان الإنسان من أهل العلم فتأول في أمر من الأمور رأى أنه مخالف للعقل أو النقل فاعتقده على خلاف الشرع وكان اعتقاده باطلاً ولكنه لا يريد به إلا تنزيه الله تعالى وتعظيمه فهو غير مرتد، لأنه تأول فاجتهد في طلب الحق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران وإذا اجتهد فأخطأ كان له أجر"، فلذلك يعذر باجتهاده إن كان الأمر محلاً للاجتهاد فلا يدخل في ذلك المعلوم من الدين بالضرورة إنما يدخل فيه ما يكون محلاً للاجتهاد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.