هل يكفي الإعتذار؟

السؤال: فضيلة الشيخ تناقلت وكالات الأنباء قبل قليل أن الصحيفة الدنمركية اعتذرت فما هو المطلوب بالضبط لكي ننهي المقاطعة ، وما حكم الشرع فيمن يسب النبي صلى الله عليه وسلم بشكل عام راجين بيان الجواب التفصيلي .
الإجابة: الحمد لله والصلاة والسلام على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه وبعد :

فإنه ينبغي أن يُعلم أن هذه الجريمة لها عقوبـةٌ شرعية أخرى ، هـي أعظم من المقاطعة الإقتصادية ، ذلك أن الدعوة إلى المقاطعة ، إنما هي الوسيلة الممكنة المشروعة لردع هؤلاء الكفرة عن التطاول على نبيّنا صلى الله عليه وسلم ، وهي أقلّ الواجب المقدور عليه مــن عامة أهل الإسلام في نصرته ، فهي من قبيل السياسة الشرعية الممكنة من شعوب المسلمين لحماية دينهم في زمن تداعت عليهم الأمم ، فالمسلمون إذا لم يكن لهم إمامٌ يقوم بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بكفّ بأس الكفّار بالجهاد ، وبإخافتهم بإرهاب السلاح ، وبعقوبتهم على جرائمهم بإنزال الجيوش بساحتهم، وبإقامة الحدود الواجب إقامتها على من سبّ النبي صلى الله عليه وسلم أو سخر منه ، أو تعرض لــه بسوء ، يجـب عليهم أن يقوموا ـ كلّ على قدر طاقته ـ بما يقدرون عليه من واجب الدفاع عن دينهم ، من الوسائل المؤثّرة ، إذ هذا من قبيل الواجب المطلق الذي لم يحدّد الشرع كيفيّة أداءه ، فيجتهد أهل العلم بالشرع ، والمعرفة بالواقع ، في الدعوة إلى اتخاذ التدابير المحققة لمقاصد الإسلام في هذا الباب ، ومن ذلك المقاطعة الإقتصادية.

وذلك امتثالا لقوله تعالى {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ولقوله {فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } فحينئذ يُراعي ما يحقق مصلحة الردع من التدابير المطلوبة ، وتوضع أمدا لإنهاء المقاطعة :

وحتى تبقى هذه الوسيلة مؤثّرة ، وممكنة الاستعمال من عامة المسلمين ، حاضرا ومستقبلاً ، نكالا ورادعا لهذه الدولة المارقة التي سمحت بهذه الجريمة ، وعبرة لغيرها ، يجب أن تكون منضبطة بمطالب محددة ، تصل إليها هذه الوسيلة ثم تنتهي مهمّتها .

وينبغي أن يحذر أهل الإسلام من أساليب الخداع الخبيثة ، مثـل أن تنشر الصحيفة اعتذارا ملبَّسا وتظنّ أنها بذلك تغسل سوءتها ، ثم يتداعى الساسة في بلادنا الذين يخافون على تجارتهم ! لإنهاء المقاطعة بناء على اعتذار سخيـف فحسب . كــلاّ ,فالواجب ـ والله أعلم ـ أن لايقبل بأقلّ من :

أولا إعلان اعتذار المجرمين الجناة لأهل الإسلام قاطبة عن جريمتهم مقرّين بجنايتهم آسفين عليها .

ثانيا وكذلك اعتذار الدولة التي دافعت عنهم.

ثالثا وتعهدها وتعهدهم بعدم العودة إلى هذه الجريمة الشنيعة.

رابعا وتعهد الدولة بمنع وقوع أي جريمة من هذا النوع في بلادها ، وباحترام دين المسلمين ومقدساتهم ، وأوّل ذلك منـع الكتاب الذي يعتزمون السماح بنشره قريبا ، والذي امتلأ سبا وشتما لنبينا صلى الله عليه وسلم وديننا وسخرية به .

ولا يقبل تذرّعهــم بحرية الرأي المزعومة :

أولا : لأنّنا في الإسلام ، لانعترف بهذه الأكذوبة ، فلا حريّة في الطعن في الأنبياء ، بل هي جريمة عقوبتها القتل كما سنبيّنه .

وثانيا : إن هؤلاء الكفرة لم يتذرّعوا بحرية الرأي ، في سعيهم الحثيث لمنع التشكيك بمحارق اليهود المزعومة ، فهم يسارعون إلى عقوبة من ينشر ما يشكك فيها ، ولا يقبلون أيّ عذر له ، ويلاحقونه فلا يدعونـه يقر له قرار حتى يُسكت ويُعاقب ، ويتابعون كلّ ما ينشر في إعلامهم فلا يسمحون بنشر شيء يشكك في هذه الفرية التي يروّجها اليهود عن محارقهم، كلّ ذلك يفعلونه إرضاءً اليهود ، أذلّ وأحقر الناس ، وخوفا من ردة فعلهم ، فلا يقبل منهم أن يتذرّعوا بحرية الرأي في سبّ ديننا ونيبّنا ، بل ذكرهم هذا العذر أقبح من ذنبهم العظيم .

هذا بالنسبة لسؤال السائل عن المطلوب من هذه الدولة الكافرة المارقة لإنهاء مقاطعة البضائع من قِبل عامة أهل الإسلام ، وإنهاء المقاطعة ، ليس كلّ حكم الشرع فيهم.

فحكـم شاتم النبي صلى الله عليه وسلم ـ ومن يرضى بفعله أو يؤيده مثله ـ يتبين فيما ننقله من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

قال رحمه الله في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول :

( وهذا الذي ذكرناه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحتم قتل مَنْ كان يسبه من المشركين مع العفو عَمْن هو مثله في الكفر كان مستقراً في نفوس أصحابه على عهده وبعد عهده، يقصدون قتل السابِّ، و يحرضون عليه، وإن أمسكوا عن غيره، ويجعلون ذلك هو الموجب لقتله، ويبذلون في ذلك نفوسهم، كما تقدم من حديث الذي قال: سُبَّني وسُب أبي وأمي وكُفَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حمل عليه حتى قتل، وحديث الذي قتل أباه لما سمعه يسبُّ النبي عليه الصلاة والسلام، وحديث الأنصاريِّ الذي نَذَرَ أن يقتل العَصْماءَ فَقَتَلَهَا، وحديث الذي نذر أن يقتل ابن أبي سرح وكَفَّ النبي صلى الله عليه وسلم عن مبايعته ليوفي بنذره ) وقال في موضع آخر : (وأيضاً، فقد تبين بما ذكرناه من هذه الأحاديث أن الساب يجب قتله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الساب في مواضع، والأمر يقتضي الوجوب، ولم يبلغه عن أحد السب إلا ندر دمه، وكذلك أصحابه، هذا مع ما قد كان يمكنه من العفو عنه، فحيث لا يمكنه العفو عنه يجب أن يكون قتل الساب أوكد، والحرص عليه أشد، وهذا الفعل منه هو نوع من الجهاد والإغلاظ على الكافرين والمنافقين وإظهار دين الله وإعلاء [كلمته]، ومعلوم أن هذا واجب، فعلم أن قتل الساب واجب في الجملة، وحيث جاز العفو له فإنما هو فيمن كان مقدوراً عليه من مُظْهِر الإسلام مطيع له أو ممن جاء مستسلماً، أما الممتنعون فلم يَعْفُ عن أحد منهم ) .

ثم إن ردع هذه الدولة الخبيثة ، وأمثالها ، بما شرع من بأس أهل الإسلام المقدور عليه ، مشروع بل واجب عند القدرة ، فالله تعالى يعذّب من يتطاول على نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم ، ويمسّ مقامه العظيم بسوء ، إما بأيدي رجال أمته الليوث الوثابة على أعداءه ، وإما بعذاب من عند ربه الذي اصطفاه وكفاه ، قال تعالى { إنّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِيِن }. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في موضع آخر من الصارم المسلول ( ونظير هذا ما حدثناه أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما جربوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا، قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر [أو] أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس منه حتى إذا تعرض أهله لسب رسول الله عليه الصلاة والسلام و الوقيعة في عِرْضِه، تعجلنا فتحه وتيسر ولم يكد يتأخر إلا يوماً أو يومين أو نحو ذلك، ثم يُفتح المكان عَنْوَة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة، قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه مع امتلاء القلوب غيظاً عليهم بما قالوه فيه. وهكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات أن المسلمين من أهل المغرب حالهم مع النصارى كذلك، ومـن سنة الله أن يعذب أعداءه تارة بعذاب من عنده، وتارة بأيدي عباده المؤمنين ) .

وقال في موضع آخر :

(وهذا ـ والله أعلم ـ تحقيق قوله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ}؛ فكل من شنأه وأبغضه وعاداه فإن الله تعالى يقطع دابره، ويمحق عينه وأثره، وقد قيل: إنها نزلت في العاص بن وائل، أو في عقبة بن أبي معيط أو في كعب بن الأشراف، وقد رأيت صنيع الله بهم.

ومن الكلام السائر: "لحوم العلماء مسمومة" فكيف بلحوم الأنبياء عليهم السلام.

و في "الصحيح" عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً فَقَ ْ بَارَزَنِي بِالمُحَارَبَةِ".

فكيف بمن عادى الأنبياء؟ ومن حارب الله حُرِبَ، وإذا استقريت قصص الأنبياء المذكورة في القرآن تجد أممهم إنما أهلكوا حين آذوا الأنبياء [وقابلوهم] بقبيح القول أو العمل، وهكذا بنو إسرائيل إنما ضربت عليهم الذلة، وباؤوا بغضب من الله، ولم يكن لهم نصير لقتلهم الأنبياء بغير حق مضموماً إلى كفرهم، كما ذكر الله ذلك في كتابه، ولعلك لا تجد أحداً آذى نبياً من الأنبياء ثم لم يتب إلا ولابد أن يصيبه الله بقارعةٍ، وقد ذكرنا ما جرَّبه المسلمون من تعجيل الانتقام من الكفار إذا تعرضوا لسب رسول الله ، وبلغنا [مثل] ذلك في وقائع متعددة، وهذا باب واسع لا يحاط به، ولم نقصد قصده هنا، وإنما قصدنا بيان الحكم الشرعي ) .

هذا ونسأل الله تعالى أن يستعمل من فداويّة أهل الإسلام ، وأسوده الوثاّبة ، من ذوي البأس والشدة ، والشجاعة التي من أمجاد الماضين مستمدة، من يذيق على أيديهم المتطاولين على مقام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي نفديه بآبائنا وأمهاتنا وأولادنا وأرواحنا ،يذيقهم سوء العذاب آمين. والله اعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا