حكم الابتداع في الدين والمحاجة بقول عمر

لي زملاء يحتجون بما ابتدع في الدين بأنها سنة، محتجين بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من سن سنة حسنة...) إلى آخر الحديث الشريف، ويكرر دائماً قول عمر بن الخطاب عندما جمع الناس أن يصلوا التراويح على إمام وحد، بقوله: نعم البدعة، من صحيح البخاري، هل يثبت ذلك حجة لزملائي أم لا؟
هذا غلط ومغالطة، ولا يجوز أن يحتج على إجاد البدع وعلى إقرار البدع بهذا الحديث الصحيح: (من سن في الإسلام سنة حسنة) لإن المراد من سن في الإسلام المراد بذلك إظهارها وإبرازها والدعوة إليها بعدما أميتة، أو جهلها الناس، ليس المراد الابتداع والإحداث لأن هذا ينافي قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، (إياكم ومحدثات الأمور)، (شر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة)، والأحاديث الصحيحة واضحة في منع البدع، والتحذير منها، وأنها من المنكر فلا يجوز لأحد أن يحكم على البدع بأنها حسنة لأجل فهمه السيئ، وهو قوله النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من سن في الإسلام سنة حسنة) فهذا غلط في فهم السنة، وتحريف للمعاني، فإن المراد إبراز السن وإظهارها، سنَّها أي أظهرها وأبرزها وبينها للناس حتى اقتدوا به فيها، وحتى ساروا خلفه بها بعدما جهلوها، وبعدما غفلوا عنها. أما إحداث البدع فلا يجوز، بل يجب على الناس أن يسيروا على ما رسمه الله لهم في كتابه، وعلى ما رسمه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في السنة، وليس لهم أن يحدثوا في الدين ما لم يأذن به الله قال الله -جل وعلا-: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ[الشورى: 21]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة)، وقال: (وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) وتقدم قوله -صلى الله عليه وسلم-: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني فهو مردود. أما قول عمر: (نعم البدعة) فقد وضح أهل العلم أن مراده بذلك من حيث اللغة العربية لأنه -رضي الله عنه- جمع الناس على إمام واحد، وكانوا متفرقين في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي عهد الصديق، فلما كان عهده -رضي الله عنه- جمعهم على إمام واحد ومرَّ عليهم ذات ليلة وهم يصلون فقال: (نعمت هذه البدعة) يعني جمعه لهم على إمام واحد مستمر ومنتظم، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد جمعهم وصلى بهم في ليالي ثم ترك ذلك خوفا أن تفرض عليهم -عليه الصلاة والسلام-، فأصل التراويح سنة أصلها سنة فعلها النبي -صلى الله عليه وسلم- ودعا إليها، وحث عليها، لكن خاف أن تفرض على الناس، فترك بعدما صلاها ليالي -عليه الصلاة والسلام- بالناس جماعة، ثم استمر الترك إلى عهد عمر، فكان الناس يصلون أوزاعاً، يصلي الرجل لنفسه ويصلي معه الاثنان والثلاثة إلى أشبه ذلك، فلما رآهم ذات ليلة قال: (لو جمعناهم على إمام واحد)، ثم جمعهم، فلما رآهم بعد ذلك يصلون جميعاً قال: (نعمت هذه البدعة) يعني التي هي جمعهم على إمام واحد بصفة مستمرة، فهذا من حيث اللغة؛ لأن البدعة ما كان على غير مثال سابق، فهذا من حيث اللغة العربية، وليس مقصوده أن هذه البدعة في الأساس والأصل، فإنه -رضي الله عنه- لا يمكن أن يوجد البدع، ولا يقر البدع، وهو يعلم أن الرسول نهى عن البدع -عليه الصلاة والسلام-، وهذه سنة وقربة وطاعة معروفة في عهده -صلى الله عليه وسلم- وبعد ذلك.