الانتحار

السؤال: ظهرت في الآونة الأخيرة مسألة عظيمة في الوسط النسائي على وجه الخصوص، وهي مسألة الانتحار، فما حكم ذلك في الشرع؟ وآراء العلماء والفقهاء؟ وجزاكم الله خيراً.
الإجابة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:

فالمشروع في حقِّ المؤمن إذا نزلت به قارعة أو أصابته مصيبة أن يصبر ويحتسب، ويقول ما علّمه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها"، ويعلم يقيناً أن ما أصابه لم يكن ليخطئه: {ما أصاب من مصيبة إلاّ بإذن الله}، وليحذر من الضجر والتسخّط على قضاء الله وقدره، ولْيعلم أن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا ومن سخط فعليه السخط.

أما الذي يبادر إلى الانتحار وإزهاق روحه وإتلاف نفسه فإنه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، مُتَوعَّدٌ على فعلها بالعذاب في النار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلّداً، ومن وجأ بطنه بحديدة فقتل نفسه فهو في نار جهنم يجأ فيها خالداً مخلّداً، ومن تحسّى سُمّاً فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتحسّاه فيها خالداً مخلّداً"، وقال: "الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعنها في النار"، وقال: "من قتل نفسه بشيء عُذِّب به في النار"، وكفى بذلك تهديداً ووعيداً لضعاف الإيمان، أولئك الذين يبادرون إلى قتل أنفسهم عند حلول الأزمات أو خوف المَثُلات، وقد أساءوا الظن بالله حين جهلوا أن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً، وأن رحمته جل جلاله سبقت غضبه.

.. ومما يُذكر هاهنا أن كثيراً من الناس يظنون أن المنتحر كافر وأنه في النار مخلّدٌ حتماً، والصحيح أنه تحت مشيئة الله، إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له، وهو سبحانه لا يُسأل عما يفعل، يدل على ذلك الحديث الصحيح عن جابر رضي الله عنه أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة؟ قال: لحصن كان لدوس في الجاهلية، فأبى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم للذي ذخر الله للأنصار، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة (1)، فمرض فجزع، فأخذ مشاقص (2) له فقطع بها براجمه (3)، فشخبت يداه (4) حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة ورآه مغطياً يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: "غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم"، فقال: مالي أراك مغطياً يديك؟ قال: "قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت".
فقصّها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم وليَدَيْهِ فاغفر"، وقد ترجم الإمام مسلم على هذا الحديث بقوله: (باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر).

.. وعليه فإن قاتل نفسه تجري عليه أحكام موتى المسلمين، فيغسل ويكفن ويُصلّى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين، ويُورث ماله، ويُدعى له بالرحمة، والله تعالى أعلم.

الهوامش:
1 - اجتوَوا المدينة: كرهوا المقام بها لضجرٍ ونوع من سقم.
2 - مشاقِص: جمع مِشْقَص، وهو سهم فيه نصل عريض.
3 - براجم: جمع بُرْجُمة، وهي مفاصل الأصابع.
4 - شَخَبتْ: سال دمها بقوة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن شبكةالمشكاة الإسلامية.
المفتي : عبد الحي يوسف - المصدر : موقع طريق الإسلام - التصنيف : غير مصنف