مسألة في لبس التمائم

امرأة محجبة بحمد الله، وأداوم على الصلاة في أوقاتها، وأخاف الله -عز وجل-، وأومن بأن الأعمار بيد الله، وكنت عندما أنجب طفلاً يموت، فأشار علي بعض الناس بشيء متعارف عليه هنا في ليبيا، وهذا الشيء هو: أن أجمع قطعة نقود من كل بيت يوجد فيه شخص يسمى باسم نبينا صل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله بنينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فإن هذا الذي فعلتيه أيها السائلة وأرشدك إليه بعض الناس رجاء أن يعيش الولد شيء لا أصل له ولا أساس له، بل هو منكر وبدعة لا دليل عليه، ويسمى مثل هذا تميمة، والرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى عن التمائم، وأمر بقطعها، يقول -عليه الصلاة والسلام-: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له، ومن تعلق تميمة فقد أشرك)، وبعث -عليه الصلاة والسلام- في بعض غزواته من يقطع القلائد التي تعلق على الدواب خشية العين، وهي الأوتار، وقال: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك)، وهي الرقى التي لا توافق الشرع، والتمائم ما يعلق على الإنسان، خشية العين، أو خشية الجن، والتولة نوع من الصرف والعطف، من السحر، فبين -صلى الله عليه وسلم- أنها كلها من الشرك، وفي المسند مسند أحمد -رحمه الله- بإسناد جيد، عن عمران بن حصين -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: (ما هذا؟) فقال: من الواهنة، يعني علقتها من أجل الواهنة، قال: (انزعها)، أمره النبي أن ينـزعها، (انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً)، وهذا وعيد عظيم، في جعل هذه الحلقة، الذي يزعم أنه فعلها من أجل الواهنة، مرض يأخذ باليد، يقال له: الواهنة، وجاء عن حذيفة -رضي الله تعالى عنه- أنه دخل على رجل قد علق بيده فسأله، فقال: من أجل الحمى، فقطعه حذيفة، وتلا قوله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ[يوسف: 106]، وجاء عن إبراهيم النخعي: كان أصحاب ابن مسعود يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن، يعني يحرمونها، قال سعيد بن جبير التابعي الجليل -رضي الله عنه-: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة، كان كأنه أعتق رقبة، لأنه خلصه من رق الشرك، وبهذا تعلمين أيها السائلة أن هذا العمل الذي قيل لك: تجمعين نقود من كل بيت فيه اسم محمد، ثم يشترى بها ...... سوار ويعلق لعله يعيش الولد، هذا شيء لا أصل له، وهذا باطل، وعليك التوبة إلى الله من ذلك، والرجوع إلى الله -سبحانه وتعالى-، ومن تاب، تاب الله عليه. وهذا الذي يسره الله أن يكون الأولاد عاشوا بعد ذلك، هذا من فضل الله، صادف قدراً لا من أجل السوراة هذه، بل صادف قدر الله الماضي وأن أولادك يعيشون بعد الولد الذي مات سابقاً، أو الأولاد الذين ماتوا سابقاً وليس من أجل السوارة، ولكنه أمر الله الماضي بقدره السابق، فإن الله -سبحانه وتعالى- قدر ما يكون من أولاد ومن عقم ومن موت طفل، وحياة طفل، إلى غير ذلك، كله مقدر، كما في الحديث الصحيح يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله قدر مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء) رواه الإمام مسلم في صحيحه، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن العبد إذا أكمل في الرحم، يعني الإنسان إذا أكملت في الرحم مائة وعشرين يوماً ثلاثة أطوار يرسل إليه ملك فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فالأمور بيد الله -جل وعلا-، فقد سبق في علم الله وفي قدره السابق أن أولادك يعيشون بعد الذين ماتوا، وليس من أجل السوارة ولكنه ابتلاء وامتحان وقع لك، فعليك التوبة إلى الله -جل وعلا-، والرجوع إليه والندم على ما مضى، وهذا شرك أصغر، تعليق التمائم من الشرك الأصغر، لا تحبط معه صلاتك ولا صومك ولا عبادتك السابقة، أعمالك السابقة الطيبة التي لله فعلتيها لا تبطل بهذا، لأن هذا شرك أصغر، لا تبطل بها الأعمال. وإن كنت أردت بهذا السوار وقصدت أنه ينفع ويضر دون الله هذا شرك أكبر، لكن المسلم يقصد هذا ولا يظن هذا ولا يعتقد هذا، وإنما يعتقد أنها أسباب كما يكوي عن المرض وكما يتعاطى الأدوية من الحبوب، والإبر كلها، وهكذا تعليق السوارة الذي نعتقد فيك أنك ظننتيها أسباباً، أنها من الأسباب، فبكل حال عليك التوبة من ذلك. وإن كنت تعتقدين فيها أنها تنفع وتضر، فعليك التوبة من ذلك أيضا والرجوع إليه والتوبة النصوح، ولعل جهلك في ذلك يكون شافعاً في سلامة أعمالك الصالحة، والعبد متى تاب أيضاً إلى الله ورجع عن شركه وباطله، فإن أعماله الصالحة تبقى له، ولا تبطل، إلا إذا مات على الكفر بالله -سبحانه-، ولهذا لما أسلم حكيم بن حزام، وذكر -رضي الله عنه- للنبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قد سبق منه عتاقة في الجاهلية، وصدقة في الجاهلية، فقال له صلى الله عليه وسلم: (أسلمت على ما أسلفت من خير)، والله قال عن الكفار: إن أعمالهم إنما تحبط إذا ماتوا على الكفر، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ ... الآية[البقرة: 161]، وقال: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ[البقرة: 217]، فقيد ذلك بقوله: فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ، فدل ذلك على أن من لم يمت كافراً بل مات على الإسلام، فإن أعماله الصالحة تبقى له، ولا تبطل عليه والحمد لله.