فصل مسألة اللفظ بالقرآن

السؤال: فصل مسألة اللفظ بالقرآن
الإجابة: فصــل:

و‏[‏مسألة اللفظ بالقرآن‏]‏ قد اضطرب فيها أقوام لهم علم وفضل ودين وعقل، وجرت بسببها مخاصمات ومهاجرات بين أهل الحديث والسنة، حتي قال ابن قتيبة كلاماً معناه ‏:‏ لم يختلف أهل الحديث في شيء من مذاهبهم إلا في ‏[‏مسألة اللفظ‏]‏‏.

‏ و بين أن سبب ذلك لما وقع فيها من الغموض، والنزاع بينهم في كثير من المواضع لفظي، ولم يكن بين الناس نزاع في أن كلام العباد الذي لم ينزله الله تعالى أنه محدث مخلوق، وإن كان الكلام في ‏[‏حروف الهجاء‏]‏ وفي ‏[‏أسماء المحدثات‏]‏ فيه نزاع، هو الذي أوقع هؤلاء الجهال فيما ارتكبوه من المحال، كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى‏.‏

ولا يتسع هذا الجواب لشرح ‏[‏مسألة اللفظ‏]‏ مبسوطاً، ولكن ننبه عليه مختصرا فنقول‏:‏ إن الله تعالى أرسل رسله وأنزل عليهم كتبه، وأمرهم أن يبلغوا إلي الناس ما أنزل الله عليهم من وحيه وكلامه، فمن الناس من آمن بالله ورسله وصدقهم فيما جاءوا به من عند الله وأطاعهم فيما أمروا به‏.

‏ وهؤلاء هم المؤمنون في كل وقت وزمان، و هم أهل الجنة والسعادة، كما قال تعالى‏:‏ {‏سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ‏ ‏} ‏ ‏[‏الحديد‏:‏21‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{ ‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏‏} ‏[‏البقرة ‏:‏62‏]‏‏.‏

ومن الناس من كفر بهم وكذب، مثل الأمم الذين قص الله علينا أخبارهم من قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط وأصحاب الأيكة وفرعون ومشركي العرب، وكل من لم يؤمن بأصل الرسالة من الهند والبراهمة وغيرهم، والترك والسودان، وغيرهم من الأمم الأميين الذين لا كتاب لهم سواء كانوا مكذبين للرسل أو معرضين عن اتباعهم ؛ فإن الكفر عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب بل شك وريب، أو إعراض عن هذا كله حسداً أو كبراً، أو اتباعاً لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة، وإن كان الكافر المكذب أعظم كفراً، وكذلك الجاحد المكذب حسداً مع استيقان صدق الرسل، والسور المكية كلها خطاب مع هؤلاء‏.

‏ ولهذا يقول سبحانه ‏:‏{ ‏‏كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ‏ ‏} ‏[‏الشعراء‏:‏105‏]‏ ؛ لأنهم كذبوا جميع الرسل ولم يؤمنوا بأصل الرسالة، وقد قال تعالى لما أهبط أباهم آدم ‏:‏ ‏‏{قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى‏‏} ‏[‏طه‏:‏123ـ 127‏]‏‏.

‏ فأخبر أنه إذا أتاهم هدي منه، وهو ما أنزله علي رسله من الذكر، فمن اتبعه اهتدي وسعد في الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنه شقي وعمي؛ ولهذا قال في أوائل البقرة في نعت المؤمنين‏:‏‏{ ‏أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏} ‏[‏البقرة‏:‏5‏]‏، كما قال هنا‏:‏ ‏{ ‏فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى‏ ‏} ؛ فإن الهدي ضد الضلال، والفلاح ضد الشقاء، وقال تعالى‏:‏‏{ ‏يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏ ‏}[‏الأعراف35:‏ 36] ‏‏.‏

ومن الناس من آمن ببعض ما جاءت به الرسل وكفر ببعض، كمن آمن ببعض المرسلين دون بعض، واليهود والنصارى حيث آمنوا بموسى، أو موسى والمسيح معه دون محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا يخاطب الله في القرآن الأميين الذين لم يتبعوا رسولا وأهل الكتاب المصدقين ببعض الرسل،كما في قوله‏:‏{ ‏‏وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ‏} ‏[‏آل عمران‏:‏ 20‏]‏، وفي قوله ‏:‏{‏ ‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ‏ ‏} ‏[‏البينة‏:‏1‏]‏‏.

‏ وكمن آمن ببعض صفات الرسالة وكفر ببعض، من الصابئين الفلاسفة ونحوهم؛ الذين قد يقرون بأصل الرسالة، لكن يجعلون الرسول بمنزلة الملك العادل، الذي قد وضع قانوناً لقومه، أو يقولون‏:‏ إن الرسالة للعامة دون الخاصة، أو في الأمور العملية دون العلمية، أو في الأمور التي يشترك فيها الناس دون الخصائص التي يمتاز بها الكُمَّل، ويقرون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم من حيث الجملة، ويعظمونه، ويقولون‏:‏ اتفق فلاسفة العالم علي أنه لم يرد إلي الأرض ناموس أعظم من ناموسه، لكنهم مع هذا يكفرون ببعض ما جاء به؛ مثل أن يسوغوا اتباع غير دينه من اليهودية والنصرانية، وقد يسوغون الشرك أيضاً للعامة أو للخاصة؛ مثل أن يسوغوا دعوة الكواكب وعبادتها والسجود لها، وقد يكذبون في الباطن بأشياء مما أخبر بها، ويزعمون أن ما أخبر به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هي أمثال مضروبة لتفهيم العامة ما لا يجوز إظهاره وإبانة حقيقته، وذلك أنهم يجوزون كذبه لمصلحة العامة بزعمهم‏‏‏.‏

وقد يزعمون أن حقيقة العلم بالله تؤخذ من غيرما جاء به الرسول، وأن من الناس من يكون أعلم بالله منه أو أفضل منه، ونحو ذلك من المقالات، وهذا الضرب ما زال موجوداً، لا سيما مع القرامطة الباطنية، من الإسماعيلية والنصيرية والملوك العبيدية، الذين كانوا يدعون الخلافة، ومع الخرمية، والمزدكية، وأمثالهم من الطوائف، وهؤلاء خواصهم أكفر من اليهود والنصارى، ومن الغالية الذين يقولون بإلهية علي ونحوه من البشر أو نبوته، وهم منافقون زنادقة، لكن في كثير من أتباعهم من يظن أنه مؤمن بالكتب والرسل لما لبسوا عليه أصل قولهم، أو وافقهم في قول بعضهم دون بعض، وأكثر هؤلاء يميلون إلي الرافضة، ومنهم من ينتسب إلي التصوف، ومنهم من ينتسب إلي الكلام، ومنهم من يدخل مع الفقهاء في مذاهبهم‏‏‏.‏

وهذا الضرب يكثر في الدول الجاهلية البعيدين عن معرفة الإسلام والتزامه، كما كانوا كثيرين في دولة الديلم والعبيديين ونحوهم، وكما يكثرون في دولة الجهال من الترك ونحوهم من الجهال الذين آمنوا بالرسالة من حيث الجملة من غير علم بتفاصيل ما جاء به الرسول؛ لأن الجهال من الترك وغيرهم بهذا الضرب أشبه منهم بغيرهم؛ فإن هؤلاء لا يوجبون اتباع الرسول علي جميع أهل الأرض، لكنهم قد يرون اتباعه أحسن من اتباع غيره فيتبعونه علي سبيل الاستحباب، أو يتبعون بعض ما جاء به، أو لا يتبعونه بحال، وهم في ذلك مقرون له ولأتباعه‏‏‏.‏

والمؤمن ببعض الرسالة دون بعض كافر أيضاً كما قال تعالى‏:‏‏{ ‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً‏‏} ‏[‏النساء‏:‏150ـ152‏]‏، وقال تعالى يخاطب أهل الكتاب ‏:‏{ ‏ ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏‏‏} ‏[‏البقرة‏:‏85‏]‏، وقال تعالى‏‏:‏‏{‏ ‏‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً‏ ‏} ‏[‏النساء‏:‏60-61‏]‏، وقال تعالى‏‏:‏‏{‏ ‏‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً‏‏} [‏النساء ‏:‏ 51-52‏]‏‏.

‏‏ فذم الذين أوتوا قسطاً من الكتاب، لما آمنوا بما خرج عن الرسالة، وفضلوا الخارجين عن الرسالة علي المؤمنين بها، كما يفضل ذلك بعض من يفضل الصابئة من الفلاسفة والدول الجاهلية جاهلية الترك والديلم والعرب والفرس وغيرهم علي المؤمنين بالله وكتابه ورسوله، وكما ذم المدعين الإيمان بالكتب كلها، وهم يتركون التحاكم إلي الكتاب والسنة، ويتحاكمون إلي بعض الطواغيت المعظمة من دون الله، كما يصيب ذلك كثيراً ممن يدعي الإسلام، وينتحله في تحاكمهم إلي مقالات الصابئة الفلاسفة أو غيرهم، أو إلي سياسة بعض الملوك الخارجين عن شريعة الإسلام من ملوك الترك وغيرهم، وإذا قيل لهم‏: ‏تعالوا إلي كتاب الله وسنة رسوله أعرضوا عن ذلك إعراضاً، وإذا أصابتهم مصيبة في عقولهم ودينهم ودنياهم بالشبهات والشهوات،أو في نفوسهم وأموالهم عقوبة علي نفاقهم قالوا‏:‏ إنما أردنا أن نحسن بتحقيق العلم بالذوق، ونوفق بين ‏[‏الدلائل لشرعية‏]‏ و‏[‏القواطع العقلية‏]‏ التي هي في الحقيقة ظنون وشبهات، أو ‏[‏الذوقية‏]‏ التي هي في الحقيقة أوهام وخيالات ‏:‏‏{‏أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً‏‏} ‏[‏النساء‏:‏63 ـ 65‏]‏، وقال تعالى‏‏:‏‏{‏ ‏وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا‏‏} ‏[‏النور ‏:‏47ـ 51‏]‏، الآية‏.

‏‏ وقال تعالى‏‏:‏‏{ ‏‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ} ‏[‏البقرة‏:‏91‏]‏‏.

‏‏ وقد ذم الله سبحانه أهل التفرق والاختلاف في الكتاب، الذين يؤمن كل منهم ببعضه دون بعض، كما قال تعالى‏:‏‏{ ‏كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏} ‏[‏البقرة‏:‏213‏]‏، وقال تعالى‏‏:‏‏{ ‏إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ‏} ‏[‏الأنعام‏:‏159‏]‏، وقال تعالى‏‏‏:‏‏{ ‏وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ‏} ‏[‏آل عمران‏:‏103‏]‏، وقال تعالى‏‏‏:‏‏{ ‏وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ‏ } ‏[‏آل عمران‏:‏ 105- 106‏]‏، قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة، وقال تعالى ‏‏‏:‏‏{‏ ‏فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ‏ } ‏[‏الروم‏:‏30 ـ 32‏]‏، وقال تعالى‏‏‏:‏‏{‏ ‏شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ‏ } ‏[‏الشوري‏:‏ 13ـ 15‏]‏‏.

‏‏ فأمر الله نبيه أن يؤمن بجميع الكتب المنزلة، وأن يعدل بين الناس كلهم، فيعطي كل ذي حق حقه، ويمنع كل مبطل عن باطله؛ فإن القسط والعدل في جميع أمور الدين والدنيا فيما جاء به، وهو المقصود بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، كما قال تعالى‏‏:‏‏{‏ ‏‏لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ‏‏/font>} [‏الحديد‏:‏25‏]‏، وقال تعالى‏‏‏:‏‏{ ‏آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ‏ } إلخ السورة ‏[‏البقرة‏:‏285‏]‏‏.

‏‏ وهاتان الآيتان قد ثبت في الصحيح أن النبي صلي الله عليه وسلم أعطيهما من كَنْز تحت العرش، وأنه لم يقرأ بشيء منهما إلا أعطيه، وقد ثبت في الصحيح أنه من قرأهما في ليلة كفتاه، وقال تعالى‏‏‏‏:‏‏{ ‏قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ } ‏[‏البقرة‏:‏136-137].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - الجزء الثاني عشر.