فصل قول القائل: "لو قامت به الصفات وجودية لكان مفتقراً إليها"

السؤال: فصل قول القائل: "لو قامت به الصفات وجودية لكان مفتقراً إليها"
الإجابة: فصــل:

وأما قول القائل:‏ لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقراً إليها وهي مفتقرة إليه، فيكون الرب مفتقراً إلى غيره، فهو من جنس السؤال الأول.‏

فيقال:‏ أولاً:‏ قول القائل:‏ ‏[‏لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقراً إليها‏]‏ يقتضي إمكان جوهر تقوم به الصفات، وإمكان ذات لا تقوم بها الصفات، فلو كان أحدهما ممتنعا لبطل هذا الكلام، فكيف إذا كان كلاهما ممتنعاً؟ فإن تقدير ذات مجردة عن جميع الصفات، إنما يمكن في الذهن لا في الخارج.‏ كتقدير وجود مطلق لا يتعين في الخارج.‏

ولفظ ‏[‏ذات‏]‏تأنيث ذو، وذلك لا يستعمل إلا فيما كان مضافاً إلى غيره، فهم يقولون:‏ فلان ذو علم وقدرة، ونفس ذات علم وقدرة.

‏‏ وحيث جاء في القرآن أو لغة العرب لفظ ‏[‏ذو‏]‏ولفظ ‏[‏ذات‏]‏لم يجئ إلا مقروناً بالإضافة كقوله:‏ ‏{‏‏فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}‏‏ ‏[‏الأنفال:‏ 1‏]‏، وقوله:‏ ‏{‏‏عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ‏}‏‏ ‏[‏آل عمران:‏119‏]‏.‏

وقول خُبَيْبَ رضي الله عنه:‏

وذلك في ذات الإله.‏.‏.‏ ونحو ذلك.‏

لكن لما صار النظار يتكلمون في هذا الباب، قالوا:‏ إنه يقال:‏إنها ذات علم وقدرة، ثم إنهم قطعوا هذا اللفظ عن الإضافة وعرفوه، فقالو:‏ ‏[‏الذات‏]‏.‏

وهي لفظ مُولَّد ليس من لفظ العرب العرباء؛ ولهذا أنكره طائفة من أهل العلم، كأبي الفتح بن برهان، وابن الدهان وغيرهما، وقالوا:‏ ليست هذه اللفظة عربية ورد عليهم آخرون، كالقاضي وابن عقيل وغيرهما.‏

وفصل الخطاب:‏ أنها ليست من العربية العرباء، بل من المولدة، كلفظ الموجود ولفظ الماهية والكيفية ونحو ذلك، فهذا اللفظ يقتضي وجود صفات تضاف الذات إليها، فيقال:‏ ذات علم وذات قدرة وذات كلام والمعنى كذلك، فإنه لا يمكن وجود شيء قائم بنفسه في الخارج لا يتصف بصفة ثبوتية أصلاً، بل فرض هذا في الخارج كفرض عَرَض يقوم بنفسه لا بغيره.‏

ففرض عرض قائم بنفسه لا صفة له، كفرض صفة لا تقوم بغيرها، وكلاهما ممتنع، فما هو قائم بنفسه فلا بد له من صفة، وما كان صفة فلابد له من قائم بنفسه متصف به.‏

ولهذا سلم المنازعون أنهم لا يعلمون قائماً بنفسه لا صفة له، سواء سموه جوهراً أو جسماً أو غير ذلك، ويقولون:‏ وجود جوهر معرى عن جميع الأعراض ممتنع، فمن قدر إمكان موجود قائم بنفسه لا صفة له، فقد قدر ما لا يعلم وجوده في الخارج ولا يعلم إمكانه في الخارج، فكيف إذا علم أنه ممتنع في الخارج عن الذهن.‏

وكلام نفاة الصفات جميعه يقتضي أن ثبوته ممتنع، وإنما يمكن فرضه في العقل، فالعقل يقدره في نفسه، كما يقدر ممتنعات، لا يعقل وجودها في الوجود ولا إمكانها في الوجود.‏

وأيضاً فالرب تعالى إذا كان اتصافه بصفات الكمال ممكناً وما أمكن له وجب امتنع أن يكون مسلوباً صفات الكمال، ففرض ذاته بدون صفاته اللازمة الواجبة له فرض ممتنع.‏

وحينئذ فإذا كان فرض عدم هذا ممتنعا عموماً و خصوصاً، فقول القائل:‏ يكون مفتقراً إليها، وتكون مفتقرة إليه، إنما يعقل مثل هذا في شيئين.‏ يمكن وجود كل واحد منهما دون الآخر، فإذا امتنع هذا بطل هذا التقدير.‏

ثم يقال له:‏ ما تعنى بالافتقار؟ أتعني:‏ أن الذات تكون فاعلة للصفات مبدعة لها أو بالعكس؟ أم تعني التلازم وهو ألا يكون أحدهما إلا بالآخر؟ فإن عنيت افتقار المفعول إلى الفاعل فهذا باطل، فإن الرب ليس بفاعل لصفاته اللازمة، بل لا يلزمه شيء معين من أفعاله ومفعولاته؛ فكيف تجعل صفاته مفعولة له، وصفاته لازمة لذاته ليست من مفعولاته؟ وإن عنيت التلازم فهو حق.‏

وهذا كما يقال:‏ لا يكون موجوداً، إلا أن يكون قديماً واجباً بنفسه ولا يكون عالماً قادراً إلا أن يكون حياً، فإذا كانت صفاته ملازمة لذاته، كان ذلك أبلغ في الكمال من جواز التفريق بينهما، فإنه لو جاز وجوده بدون صفات الكمال، لم يكن الكمال واجباً له، بل ممكناً له، وحينئذ فكان يفتقر في ثبوتها له إلى غيره، وذلك نقص ممتنع عليه، كما تقدم بيانه، فعلم أن التلازم بين الذات وصفات الكمال هو كمال الكمال. ‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - المجلد السادس.