تفسير الآيات (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُل مِنْ قَبْلِكَ ... لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)

يسأل فيها عن تفسير بعض الآيات: يقول الحق تبارك وتعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (( وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُل مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَي
هذه الآيات واضحة المعنى: الآية الأولى: الرب جل وعلا يسلي نبيه - صلى الله عليه وسلم- ويصبره حتى لا يجزع من تكذيب قومه له، فقد كذبت أقوام كثيرة لرسلها عليهم الصلاة والسلام فيقول له: وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك، يعني لك فيهم أسوة فلا تجزع وعليك بالصبر، ولهذا قال في الآية الأخرى: فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم، وقال: واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا، فالله يأمر نبيه بالصبر والتأسي بالرسل الماضيين، فقد كذبوا وأوذوا فصبروا، وهو كذلك عليه أن يصبر كما صبروا وأن يتحمل كما تحملوا وله عند الأجر العظيم والأجر الكثير، وهو سبحانه يهدي من يشاء، قال تعالى:ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء، وقال سبحانه: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء لا بد من التحمل والصبر، والله جل وعلا هو الحكيم العليم فيما يأمر به، وفيما ينهى عنه، وفي توفيق هذا للإسلام والطاعة، وفلان الآخر حتى لا يسلم ولا يقبل الحق، هو الحكيم العليم جل وعلا، فعلى العبد أن يسأل الله التوفيق وأن يستعين به على الخير، وأن يحذر شره وأسبابه، وأن يصبر كما صبر غيره، وهكذا الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ عليهم أن يصبروا وعلى نبينا عليه الصلاة والسلام أن يصبر كما صبر من قبله، وأما الآية الأخرى ففيها التحذير من الاغترار بالدنيا، والاغترار بالشيطان وهو الغَرور، يعني يجب على المؤمن أن يحذر من الدنيا وشهواتها الفاتنة، ولهذا قال جل وعلا: يا أيها الناس إن وعد الله حق، وعده لكم بالحساب والجزاء والجنة والنار وقيام الساعة كله حق، لا بد من قيام القيامة، ولا بد من الجزاء على الأعمال، ولا بد من الجنة لأهل الإيمان والتقوى، والنار لأهل الكفر والنفاق، كله حق، ولهذا قال: فلا تغرنكم الحياة الدنيا، يعني بزينتها وأموالها وشهواتها ومآكلها ومشاربها وغير ذلك مما فيها فهي دار الزوال، دار الفناء، كما قال تعالى: كل من عليها فان، وقال سبحانه: وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور، فلا يليق بالعاقل المؤمن أن يغتر بها وبزينتها وأهلها وما أعطوا من الدنيا بل يحذر ويستعد للآخرة، ويستعين بنعم الله على طاعة الله، ولا يغتر بالشيطان وهو الغَرور فهو يزين لأهل الباطل ويغرهم، ويدعوهم للركون إلى الدنيا ويدعوهم إلى التكذيب بالآخرة، فيزين لهم هذه العاجلة، وربما زين لهم الإصرار على المعاصي وقال: التوبة بعد ذلك، إذا لم يجد حيلة في تكذبيهم وإنكارهم للآخرة زين لهم أنهم يتساهلون بالمعاصي، وقال لهم: في إمكانكم التوبة بعد ذلك والله غفور رحيم ونحو هذا مما يغرهم به، فالواجب الحذر من طاعة غَرور الشيطان، والحذر من المعاصي كلها، والبدار بالتوبة عند وجود المعصية، ولهذا قال بعده: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً، يعني عاملوه معاملة الأعداء فهو عدو مبين، ثم قال سبحانه: إنما يدعو حزبه -يعني أتباعه- ليكونوا من أصحاب السعير، هذه مهمته وهذه دعوته وهذا سبيله: الدعوة إلى النار، فالواجب على العاقل أن يحذر هذا العدو المبين، وأن لا يطيعه فيما يدعو إليه من الباطل وأن يحذر وساوسه وما يزينه من المعاصي لعله ينجو.