فعل الخير إرضاء لله لا طلباً للثواب

السؤال: بعض الصوفية يقولون إنهم يفعلون الخير إرضاء لله فقط وليس طلباً للثواب، ويدعون أن الهدف من أعمالهم ليس خوفهم من النار، وليس حباً في الجنة، ثم يدعون أن ذلك هو أسمى الإخلاص، أرجو التكرم بالتعليق على كلامهم، فهذا يتناقض مع وعد الله -سبحانه- بالأجر الكبير، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحث المسلمين على فعل الخيرات ويذكر الأجر على ذلك. أرجو توضيح الحق في هذه المسألة.
الإجابة: الحمد لله، لقد أمر الله عباده بما أوحى به إلى رسله، أمرهم أن يعبدوه وأن يطيعوه وأرشدهم -سبحانه وتعالى- إلى كل بر، ونهاهم عن كل إثم، ورتب على ذلك الجزاء في الدنيا والآخرة، فوعد المؤمنين بالأجر العظيم والثواب في الدنيا والآخرة، قال -تعالى-: {من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} [النساء:134]، وتوعد من كفر به - سبحانه وتعالى- وعصى أمره بالعقاب في الدنيا والآخرة.
كما أرشد عباده إلى خوفه ورجائه وأثنى على الذين يرجونه ويرغبون إليه، ويرهبون منه، كما قال -سبحانه وتعالى-: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهبا وكانوا لنا خاشعين} [الأنبياء:90]، وقال الله - سبحانه وتعالى- {أولئك الذي يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} [الإسراء:57]، وعباد الرحمن الصادقون يعبدونه حباً وإجلالاً وخوفاً ورجاءً، وهذا هو موجب الإيمان بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، فإنه -سبحانه- بر رحيم وغفار للذنوب، وهو مع ذلك شديد العقاب وسريع العقاب قال -سبحانه-: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم} [الحجر:49-50]، وقال: {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} [المائدة:98].

فأسماؤه وصفاته توجب محبته وإجلاله، وخوفه ورجاءه، وأما ما تدعيه جهلة الصوفية من أنهم يعبدون الله لا خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، وإنما يعبدونه حباً له ولذاته فهذا مما لبس به الشيطان عليهم، وأوهمهم أن هذه الطريقة هي أفضل الطرق في عبادة الله، وهذا يلزم منه تنقص الرسل، وتنقص الكمَّل من أتباعهم، وهذه الدعوى تتضمن احتقار ثواب الله، والاستهانة بعذابه وهذا خلاف ما أراده الله من عباده، فالله إنما أخبر عن الجنة والنار ليرغب إليه المؤمنون بالنجاة من النار، والفوز بالجنة.

والخوف والرجاء مقامان من مقامات الإيمان، وقد أثنى الله بهما على رسله وأوليائه، فمن ادعى أنه لا يعبد الله خوفاً ولا رجاءً فقد فاته القيام بهذا الواجب، واجب الخوف والرجاء، وفاته الأجر والثواب والثناء من الله، والصوفية بهذه الدعوى يخالفون موجب الفطرة، والله فطر العباد على محبة ما يلائمهم وكراهة ما يضرهم، ولقد أخبر الله عن عباده بأنهم يتضرعون إليه بأن يصرف عنهم عذاب جهنم، وأن يؤتيهم ما وعدهم على ألسنة رسله كما قال -تعالى-: {والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما} [الفرقان:65]، وقال -تعالى- {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة:201].

ومن جملة دعاء الذاكرين المتفكرين أولي الألباب: {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد} [آل عمران:194]، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إذا تشهد أحدكم فليستعذ من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر.." (البخاري: 1377، ومسلم:588) إلى آخر الدعاء المعروف.
والذين يدَّعون أنهم يعبدون الله لا خوفاً ولا رجاءً، يلزمهم ألا يدعوا بشيء من هذه الدعوات فيفوتهم أجر التعبد بذلك، ويحرمون من الآثار المرجوة بهذه الدعوات التي يحب الله من عباده أن يدعوه بها، والحاصل أن هذه الدعوى بدعة في الدين وهي مع ذلك منافية للفطرة، فالواجب عدم الاغترار بها وبأصحابها، وأن الهدى والفلاح باتباع الرسل والسير على الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، وهذا ما أمر الله به عباده، أن يسألوه في كل ركعة من الصلوات: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة:6-7]، والله أعلم.