لا ينبغي الإكثار من الطلاق المعلق

صاحب الفضيلة/ الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الموقر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: أود أن أوضح لفضيلتكم قضيتي هذه مفصلة؛ راجياً أن أوفق بتلقي إجابتكم عليها صريحة وفقكم الله: أنا رجل في الأربعين من عمري، متزوج من عشرين عاماً، يغلب على طبعي سرعة الغضب والانفعال وتوتر الأعصاب، وشدة التحفظ والغيرة المفرطة، وخصوصاً على زوجتي، التي ما إن دخلت بها حتى أخذت في توجيهها وإرشادها، وبالتالي تحذيرها وزجرها وعقابها عندما أعتقد مخالفتها؛ متأثراً بما أسمعه أو أشاهده من انحرافات في عصرنا هذا، حتى أنه بلغ بي ذلك إلى أن قلت حينما أردت السفر للدراسة بعيداً عنها بعد عام من زواجنا-: (لو خالفتيني فيما نهيتك عنه أثناء سفري سواء علمت أو لم أعلم فاعتبري نفسك مطلقة، وتحملي إثم ذلك)، وكان قصدي بذلك أن تحافظ على نفسها من الاختلاط المتعمد بغير المحارم، وممن يشك في تصرفاتهم من الرجال أو النساء. ثم إنني سافرت بها في السنة الثانية من دراستي بعد أن وافق والدها على سفرها ولم أشأ أن أبحث الماضي بعد أن أنجبت أول طفل؛ ولشدة تعلقي بها وحبي لها، واستمرت حياتنا، وتكرر مني عبارة (عليَّ الطلاق) على مدار العشرين عاماً، عندما تثير غضبي لأي أمرٍ يتعلق بشئون البيت أو الأطفال أو الصلاة، وغير ذلك مما تعود عليه أهل هذه المنطقة من القسم به –والعياذ بالله– كأن أقول مثلاً: (علي الطلاق لو تكرر هذا... لأفعل كذا)، ثم يتكرر ولا أفعل. ولقد كرهت في نفسي تصرفي هذا، وألوم نفسي على ما يقع مني أثناء غضبي، ثم ما ألبث أن أعود إلى ذلك عند أي إثارةٍ تثيرها، حتى أصبح يتولد لدي كرهها، والرغبة في مفارقتها برغم تمسكها بي. ولقد وسوست بطلاقها أكثر من مرة، لولا تلاحق ولادة أطفالها، وصغر سنهم، وتدخل بعض أقاربي يمنعني من ذلك، علماً بأنها أنجبت عشرة أطفال، أصغرهم في سن الثالثة. وفي ليلة السبت الموافق 11 من شهر ذي القعدة الحالي، حدثت بيننا مشاجرة، فسمعت منها كلمة، فسرتُها على أنها عبارة تهديد، فطلبت منها إيضاح القصد منها قائلاً: (علي الطلاق لو ما تعلميني بقصدك من هذه الكلمة لأطلقك)، وكررتها أكثر من ثلاث مرات، وهي ترد علي في كل مرة قائلة: (والله العظيم إني لم أقصد أي شيء)، ثم أخذتها وذهبت بها إلى بيت أهلها دون أن أصرح بأي لفظ سوى ذلك، ولا تزال عندهم إلى تاريخه. صاحب الفضيلة: هذه قضيتي، وما حدث بيني وبين زوجتي خلال عشرين عاماً بدون أي مبالغة أو تبسيط، ولقد كان لهذه التصرفات تأثير على نفسيتي، وغلبت علي الشكوك، والاعتقادات بأن زوجتي ربما تكون طلقت مني في أي وقت من الأوقات، ولا أستطيع مراجعتها بسبب شكوكي، وخوفي من الوقوع في المعصية- إذا لم أكن قد وقعت من قبل- ولا أستطيع البت أو التصريح بطلاقها؛ خوفاً على الأطفال، وعطفاً عليهم وحاجتهم إلى حنان أمهم وتربيتهم التي أصبحت بعيدة عنهم، ولا يستطيعون الحياة بدونها. آمل من فضيلتكم إجابتي عن هذه المشكلة على ضوء ما أوضحته من غير أن أزيد، أو أنقص وفقكم الله، والله يحفظكم.
وعليكم السلام، بعده[1]: ما كان ينبغي منك إكثار الطلاق ولا سوء الظن بغير موجب، فنوصيك بالحذر من ذلك مستقبلاً، وتقوى الله عز وجل وحسن الظن بأهلك، وعدم سوء الظن بهم من دون سبب يوجب ذلك. أما الجواب عن الواقع: فجميع ما صدر منك من الطلاق المعلق، إذا كان المقصود منه الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب، وليس المقصود إيقاع الطلاق، فهو في حكم اليمين، وعليك عن كل واحد من ذلك تحنث فيه كفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من قوت البلد، وهو كيلو ونصف تقريباً، أو كسوتهم، وإن غديتهم أو عشيتهم ولو متفرقين كفى ذلك. أما الطلاق الأخير فليس عنه كفارة؛ لكونها أخبرتك أنها ما أرادت بالكلمة شيئاً مما يسوؤك، وحلفت على ذلك. فأما الوساوس بالطلاق فلا يقع بها شيء، وهكذا نية الطلاق بدون لفظ ولا كتابة لا يقع بها شيء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلم))[2]. أعاذنا الله وإياكم من الشيطان، وهدانا جميعاً صراطه المستقيم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.   عبد العزيز بن عبد الله بن باز [1] استفسار شخصي من/ ع. ر. أجاب عنه سماحته بتاريخ 19/12/1403هـ. [2] أخرجه البخاري برقم: 2343، (كتاب العتق)، ومسلم برقم: 181، (كتاب الإيمان).