"الخِضر" و أدب الخطاب مع الله في سورة الكهف

السؤال: في سورة الكهف عند شرح سيدنا الخضر لسيدنا موسى عليه السلام أسباب ما فعله قال في السفينة: {فأردت أن أعيبها}، وفي الغلام قال: {فخشينا}، وقال: {فأردنا أن يبدلهما ربها}، فمن الذي يُنسب إليه الآية الأولى؟ ومن الذي خشي وأراد؟ وفي الآية الثانية كان يتكلم بصيغة المثنى، نرجو التوضيح.
الإجابة: الخضر نبي، وهو متأدب بآداب النبوة وآداب أهل الإيمان، ومن آداب أهل الإيمان أنهم لا ينسبون الشر إلى الله تبارك وتعالى، فإذا كان خير نسبوه إلى الله سبحانه وتعالى وإذا كان شراً نسبوه إلى أنفسهم، كما في قول إبراهيم لما قال لقومه: {أفرأيتم ما تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين}، ثم عرفهم برب العالمين، فقال: {الذي خلقني فهو يهدين} فنسب إلى الله الخلق والهداية، وقال: {والذي هو يطعمني ويسقين}، ثم قال: {وإذا مرضت فهو يشفين}، ولم يقل: "والذي يمرضني ويشفيني" لأن الإمراض شر فلم ينسبه إلى الله، وإنما قال: "أنا أمرض وهو يشفيني"، والشفاء خير فنسبه إلى الله عز وجل.

والخضر عليه السلام تأدب في الخطاب مع الله عندما أخبر موسى عليه السلام بما اطلع عليه ولم يستطع أن يصبر عليه، فلما فسر لموسى قال له: {سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً * أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها} فنسب خرق السفينة لنفسه، ثم قال له: {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً}، {خشينا} يتكلم عن نفسه لكن بصيغة الجمع، ثم لما جاءه الخير نسبه إلى الله، قال: {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً}، ونسب هذه الرغبة إلى نفسه، ولكن تكلم عن نفسه بصيغة الجمع، أنه أراد أن يرزق الله تبارك وتعالى والديه أحسن من هذا الولد الذي أخبر بأنه إذا بلغ سيكفر أبواه وسيتعبهم، ثم قال له: {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً} فالخير هنا نسبه إلى الله، قال: {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما}، ثم قال: {وما فعلته عن أمري} أي ما ذكر من خرق السفينة وقتل الغلام وإسناد الجدار ليس بأمري وإنما بأمر الله عز وجل، {وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا}، فهذه الضمائر جاءت هنا لأدب الخطاب مع الله تبارك وتعالى حيث نسب الخير إلى الله ونسب الشر إلى نفسه.