حكم السفر إلى أمريكا للإقامة

السؤال: إني طبيبٌ عراقي، متزوِّج ولي ثلاثة أطفال، ومعي أمي وأبي المرضى والكبار في السِّن، ونحن عائلة ملتزمة دينيًّا، تركْنَا بغدادَ بِسبَبِ الأوضاع الأمنيَّة السَّيِّئة، وسافَرْنا إلى مِصْر, ثُمَّ أصبَحْنا لاجئين على الأُمَم المتَّحدة في مصر، إنَّ فُرص العمل في مِصْرَ مَحدودة وهناك تحديد لفرص العَمَل بالنِّسبة للأطبَّاء، حاولتُ الذَّهاب إلى دُول عربيَّة أُخرى أوِ الحُصول على فُرصَة عملٍ في إحدى الدول العربية, لكنِّي لم أوفَّق بسبَب تَضييق الدُّول العربيَّة على العراقيِّين للسفر إليها، ولكوْنِي لاجئًا ولا أستطيع السَّفر بسهولة، والآن بدأتِ الحكومة العراقيَّة بالتَّضييق على العراقيِّين في مِصْر بعد أن طلبتْ منَ الحُكومة المصريَّة عدمَ التَّعامُل بالجواز الحالي الذي بحَوْزَتِنا، والحكومةُ العراقيَّة في نفس الوقْتِ تُعَرْقِل وتُعَطِّل عمليَّة إصدار جوازات جديدةٍ لنا، وذلك لتَضْيِيقِ حركةِ وسَفَرِ العِراقِيِّين ومُحاربتهم حتَّى خارج وطنهم، لقد أصبحتِ الحالة المادِّيَّة صعبة, وفي هذه الأثناء حصَلْنا من الأمم المتحدة على توطينٍ في أمريكا، رغْمَ أنَّنا لا نُحِبُّ أمريكا والأمريكان, فهَلْ ذَهابُنا إلى أمريكا جائزٌ شرعًا؟
الإجابة: الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون على ما وَصَلَتْ إليه أحوالُ أهْلِ الإسلامِ في بِلاد الإسلام؛ من ذُلٍّ وهوانٍ وفقرٍ، والعالم الإسلامي بأثريائه وثرائه لا يحرك ساكنًا كأن أهله لا يَرَوْنَ ولا يَسْمَعونَ، أو يَحسبون أنَّهم غيْرُ موقوفينَ مَسؤولين، حتَّى أضحى فَرَج المسلم في اللجوء لمن قتل إخواننا وسبى نساءنا ودمر بلادنا! والله الموعد.

ونسألُ اللهَ العظيمَ الكريم الَّذي عمَّت رحْمته كلَّ شيء أن يُفَرِّج على المسلمين ما نزل بِهم، وأن يَرْزُقهم من فضلِه رِزْقًا عاجلا غيرَ آجِل، إنَّه جوادٌ كريمٌ، كما نَسألُه بأسمائِه الحُسنى، وصفاتِه العلى، أن يُبدِّل حُزنَكم فَرَحًا، وضِيقَكُم فَرَجًا، وبلاءَكُم عافية اللهم آمين.

ثُمَّ إذا كان الحال كما تَقُول، فإنِ استطعْتَ أن تَصْبِر وتَحتسبَ وتَعْمَل بِما يَضْمَنُ لكَ القَدْرَ الأدْنى من الحياة الكريمة فافعل، ولا تسافرْ لبلاد الكفَّار، وتَهجم على الفتَن الَّتي مَن أقْبَل عليْها أهلكَتْه، عافاك الله وأهلَك؛ فلا يَخفَى عليْكَ المخاطِرَ الَّتي تُحيط بِمَن يُقيم بتلك المجتَمَعات المنحلَّة؛ فالنَّجاةُ فيها غير مضمونة في غالِبِ الحال، والفتن مُحيطة ولا رَقيبَ ولا حسيبَ، كما أنَّ نَجاةَ الأبناء في تلك المجتمعات الكافِرة بعيدُ المنال، بل كما يقال: حديثُ خُرافة وأبعدُ من العيُّوق وأندَرُ من بيض الأَنُوق، فعَليْكَ -أخِي الحبيب- أن تُفاضِلَ بين الفَقْرِ أو تَرْكِ الدين.

واستَعِنْ بِالله ولا تعجِز، وسيجْعَلُ اللهُ لَكَ مَخرجًا، واعلَمْ أنَّه ما مِنْ بلاءٍ يُصيبُ المؤمِنَ إلا كفَّر اللَّهُ به من خطاياه، ورَفَعَ به من دَرَجَاتِه، فاصْبِرْ واحتَسِبْ؛ قال الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يُصيبُ المؤمِنَ من وَصَبٍ ولا نَصَبٍ ولا سقم ولا حزن حتَّى الهم يهمُّه إلا كفّر به من سيئاته"؛ (رواه مسلم)، وفي لفظ: "قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَفِى كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا أَوِ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا"، وعند (البخاري): "مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا من خَطَايَاهُ"، والدنيا دار ابتلاءٍ وامتِحان، لا تَصفو من الأكدار، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140].

وعلى المسلم أن يعلمَ أنَّ الابتِلاء سُنَّة الله غي هذه الحياة؛ قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}[العنكبوت: 2-3]، وقال: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35]، ولا تَحْصُل سعادة المؤمن إلا بالإيمانِ بالقضاءِ والقَدَر وأنَّ ما أصابه لم يَكُنْ لِيُخْطِئه، وما أخْطَأَهُ لم يكن ليُصِيبَه.

أمَّا إذا لم تتمكَّنْ منَ البقاءِ في بِلاد الإسلام، ودعتْكَ ضرورةٌ ملحَّةٌ للإقامةِ في بِلاد الكفار، فيجوزُ لك السَّفَرُ حينئذٍ، بِشَرْطِ أن تتمكَّن أنتَ ومَنْ معك من إقامة الشَّعائِر الدينيَّة، وأن تَأْمن على نفسِكَ ومن تعول من الوُقوع في المُنْكَرات، مع السَّعْيِ إلى العودة عند صلاح الحال، والله أعلم.

ـــــــــــــــــــــــ

موقع الألوكة