حكم الاجتماع للعزاء وفتح مكبرات الصوت بالقرآن لذلك

السؤال: هناك الكثيرُ مِنَ النَّاس مِمَّن أحيا هذه الظاهرة في فتح مجالسَ وصالات للميِّت إن مات، ورفعوا أصواتهم بالقرآن من خلال المسجِّلات في بيت الميت، ثم اجتماع أهل الميت لاستقبال الناس المعزِّين لتلقِّي العزاء وإعداد الطعام وشرب الشاى والقهوه عند أهل الميت، وهذا الأمر لم يكن معروفًا في عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلَّم. فما رأي سَماحتِكم في مثل هذه الظَّاهرة؟ وما هو توجيهُكم للمسلمين نَحو ذلك؟
الإجابة: الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فلا خلاف بين الفقهاء في استحباب التعزية لمن أصابته مصيبة؛ لما فيها من تسلية أهل المصيبة، وقضاء حقوقهم، والتقرب إليهم، ولما روى النَّسائيُّ عن مُعاوية بن قُرَّة عن أبيه، قال: كان نبيُّ الله صلى الله عليه وسلَّم إذا جلس يَجلِسُ إليه نَفَرٌ من أصحابِه، وفيهم رجلٌ له ابنٌ صغيرٌ يأتيه من خَلْفِ ظَهْرِه فيُقْعِده بين يديه، فهلك فامتنعَ الرَّجُل أن يَحضر الحلقة لذِكْرِ ابنِه، فحزِن عليه، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما لي لا أرى فلانًا؟" قالوا: يا رسول الله، بُنَيُّه الذي رأيتَه هلك، فلقيه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فسألَهُ عن بُنَيِّه فأخبره أنه هلك، فعزَّاه عليه ثم قال: "يا فلان، أيُّما كان أحبَّ إليك: أن تُمتَّع به عمُرَك أو لا تأتي غدًا إلى بابٍ من أبواب الجنة إلا وجدتَه قد سبقَك إليه يفْتَحُه لك؟ "قال: يا نَبيَّ الله بل يسبقُنِي إلى باب الجنة فيفتَحُها لي لهو أحب إلي، قال: "فذاكَ لك" (والحديث صحَّحه الحاكِمُ ووافقه الذَّهبيُّ، وقال الألباني: "وهو كما قالا").

ولذلك فلا بأسَ أن يستقبِلَ أهل المتوفَّى المعزِّين للتَّعزية والدعاء لهم والترحُّم على ميِّتهم؛ لأنَّ التَّعزية سُنَّة، واستقبال المعزِّين دون أن يعدُّوا العُدَّة لاستقبالِهم مِمَّا يُعِينُهم على أداء السُّنَّة، وإذا أكرموهم بالشاي أو القهوة، فكلُّ ذلك حسن، قال الإمام الشافعي رحمه الله: "والتَّعزية من حين موتِ الميت: في المنزل، والمسجد، وطريق القبور، وبعد الدفن، ومتَّى عزَّى فحسن".

أمَّا الاجْتِماع للتَّعزية بإقامة سُرادِقات ومآتِمَ أو الجُلوس في المنزل لتلقِّي العزاء واستقْبال المعزين وصُنع الطعام أو المشروبات لهم، فهذا من البِدَع المُنْكرة التي لا أصلَ لها في الدين، وقد مات جَماعة من الصحابة رضي الله عنْهُم في عهد النبي صلَّى الله عليه وسلم فلم يَجمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم الناس على طعام، ولم يُقِمْ مأتَمًا، ولو كان في هذا خير وقربة إلى الله لفعله صلى الله عليه وسلم بل إنَّ السُّنَّة عند الوفاة أن يُصنَع طعامٌ لأهل الميت ويُهدى لهم، لا أن يصنعوه وينشَغِلُوا به زيادة على انشغالهم بِمُصابِهم؛ ففي المُسْنَد والسُّنَن عن عبدالله بن جعفر قال: لمَّا جاء نعيُّ جعفر قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "اصنعوا لآل جعفرٍ طعامًا فإنَّه قد أتاهُم أمرٌ يشغلُهم".

وقال جريرُ بنُ عبدالله البجلي رضي الله عنه: "كنا نعدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطَّعام بعد الدفن من النِّياحة"؛ رواه أحمد.

قال النووي: "قال الشافعي وأصحابُه رحِمهم الله: يُكْرَهُ الجُلوس للتعزية، قالوا: ويعني بالجلوس أن يَجتمع أهل الميت في بيتٍ ليقْصِدَهم من أراد التعزية، بل ينبغي أن ينصَرِفوا في حوائِجِهم". "الأذكار" للنووي.

وكذلك رفع مكبِّرات الصوت بالقرآن قد يتأذى من ارتفاع الصوت أحد الناس؛ ثم هو عملٌ مُحدث لم يَرِدْ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه.

قال فضيلة الشيح العثيمين: "إنَّ هذا العمل بدعةٌ بِلا شكٍّ فإنَّه لم يكن في عَهْدِ النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد أصحابه، والقُرآن إنَّما تُخفَّف به الأحزان إذا قرأه بينَهُ وبيْنَ نفسه لا إذا أُعْلِنَ به على مكبِّرات الصوت، كما أنَّ اجتماع أهل الميت لاستقبال المعزِّين هو أيضًا من الأُمُور الَّتي لم تَكُنْ معروفةً، حتَّى إنَّ بَعْضَ العُلماء قال: إنه بدعة، ولهذا لا نرى أنَّ أهل الميت يَجتمعون لتلقي العزاء، ليغلقوا أبوابَهم وإذا قابلهم أحد في السوق أو جاء أحدٌ من معارفهم دون أن يَعُدُّوا لهذا اللِّقاء عُدَّته فإنَّ هذا لا بأس به" انتهى من "فتاوى إسلامية"،، والله أعلم.