من يقول اللهم عليك توكلنا وبنيبك إليك توسلنا

يسأل أيضاً كسؤاله السابق عن حكم من يصلي بالناس الجمعة ويقول في خطبته: (اللهم ربنا عليك توكلنا، وبنبيك إليك توسلنا)، وما حكم هذا التوسل؟ أفيدونا بارك الله فيكم.
هذا التوسل بدعة عند جمهور أهل العلم، لكن الصلاة صحيحة، لكن التوسل بدعة، التوسل بجاه نبينا أو بنبينا أو بحق نبينا أو بحق الأنبياء أو بحق الملائكة أو بذات الملائكة أو بحق فلان، أو فلان ابن فلان، أو بحق أبي أو ما أشبه ذلك، كل هذا ليس من الشرع، الوسيلة تكون بأسماء الله وصفاته، وبالأعمال الصالحات كما قال الله جل وعلا: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) سورة الأعراف، فيقول: "اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن ترحمنا أن تغفر لنا، أن تسقينا الغيث"، إلى غير ذلك، أو: "اللهم إني أسألك بإيماني بك وطاعتي لك، واتباعي لنبيك"، يتوسل بأعماله الطيبة، أما التوسل بجاه فلان أو بنبينا أو بجاه نبينا أو بحق نبينا أو بحق الأنبياء أو الملائكة هذا كله بدعة عند أهل السنة، ليس عليه دليل، وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه قال عليه الصلاة والسلام: لما سمع رجلاً يقول: "اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد"، قال صلى الله عليه وسلم: (لقد سأل الله باسمه الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب)، يعني توسل بصفات الله سبحانه وأسمائه، وهكذا التوسل بالأعمال الصالحات، كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "أن ثلاثة آواهم المبيت والمطر إلى غار في البرية، فدخلوا فيه ليبيتوا فيه ويتقوا المطر فانحدرت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم فم الغار"، بإذن الله عز وجل، ليسن لعباده ويشرع لعباده ما فعله أهل الغار، وليعلم الناس علاج الكروب بما شرعه الله، "فلما انطبقت عليهم الصخرة، أرادوا دفعها فلم يستطيعوا، فقالوا فيما بينهم: إنه لن ينجيكم من هذا البلاء إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم، فدعوا ربهم بصالح أعمالهم، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً"، الغبوق اللبن في أول الليل، "وإنه نأى بي طلب الشجر ذات ليلة فلم أرح عليهما إلا وقد ناما، فجئت بقدح ووقفت على رؤوسهما أنتظر اسيتقاظهما وكرهت أن أوقظهما والصبية يتضاغون تحت قدمي، فلم أسقهم حتى برق الفجر واستيقظا وسقيتهما، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة بعض الشيء، لكن لا يستطعيون الخروج رأوا السماء، ثم قال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، وإني أردتها لنفسها، يعني للفاحشة فأبت علي فألمت بها سنة، يعني ألمت بها حاجة فجاءت إليَّ وقالت: يا ابن عمي أنا محتاجة، فقلت: لا أعطيك شيئاً إلا أن تمكنيني من نفسك"، يعني زنا، فلشدة حاجتها وافقت، "فلما جلس بين رجليها ليجامعها قالت: يا عبد الله: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فخاف من ربه وقام ولم يجامعها وأعطاها الذهب الذي أعطاها إياه أعطاها ذهب مائة دينار وعشرين دينار، أعطاها إياه، ولم يرجع فيها ولم يجامعها وقال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة بعض الشيء أيضاً"، ولكن لا يستطيعون الخروج؛ لأن هذا عمل عظيم، كونه تركها بعد القدرة، ترك الجماع خوفاً من الله، وترك لها الذهب العظيم، هذا يدل على رغبة عظيمة فيما عند الله، وعلى خوف عظيم فلهذا شكر الله له ونفعت هذه الوسيلة، "ثم قال الآخر: اللهم إنه كان لي أُجَراء فأخذوا أجرهم إلا واحداً ترك عندي أجره فنميته له واشتريت له إبلاً وبقراً وغنماً ورقيقاً، ثم جاءني يطلب أجره فقلت له: كل هذا من أجرك"، الإبل والبقر والرقيق كله ثمَّرته من أجلك، "فقال لي: اتق الله ولا تهزأ بي يا عبد الله، فقلت له: إني لا أستهزئ بك، فاستقاه كله، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون" برحمة الله سبحانه وتعالى، بأسباب هذه الوسيلة العظيمة، أعمال صالحة فعلوها لله، فنفعتهم عند الحاجة توسلوا بها عند الحاجة، ونفعتهم، وهذا يدل على أن التوسل بالأعمال الصالحة من أعظم الوسائل ولا سيما عند الحاجة والشدة، وهو القائل جل وعلا: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ (62) سورة النمل، سبحانه وتعالى، وهو القائل جل وعلا: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (60) سورة غافر، فهو سبحانه قدر هذه الصخرة ليتوسل هؤلاء وليعرفوا فضل أعمالهم؛ وليعرف الناس أيضاً فضل أعمالهم؛ وليتوسلوا كتوسلهم إذا وقعت عليهم الشدائد، والنبي صلى الله عليه وسلم قص علينا هذه القصة لنعلمها ونعمل بها ونستفيد منها، فهو حديث صحيح، متفق على صحته، عند البخاري ومسلم رحمة الله عليهم. والله ولي التوفيق. - إذا نستخلص مما تفضلتم به أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم غير جائز، إنما التوسل بالأعمال الصالحة هو المطلوب وهو الجائز؟ ج/ نعم بالأسماء الحسنى، بأسماء الله وصفاته، وبالإيمان والتوحيد وبالأعمال الصالحة، كلها وسائل، أما بذات النبي أو بجاه النبي أو جاه الأنبياء أو الملائكة أو غيرهم ليس بوسيلة.