تفيسر قوله وأتموا الحج والعمرة لله الآية

أرجو أن تعطونا تفسيراً واضحاً لقول الحق تبارك وتعالى:((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ))[البقرة:196]؟
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد: هذه الآية الكريمة أصل عظيم في الحج والعمرة، يقول الله سبحانه: وأتموا الحج والعمرة لله.. الآية، احتج بها العلماء على أن الواجب على من دخل الحج والعمرة أن يتمهما وأنه ليس له الخروج منهما، بل يجب عليه إتمامهما، فإذا أحرم بالحج وجب عليه إتمام الحج وإذا أحرم بالعمرة وجب عليه تمامها وليس له الخروج منها إلا بالطريقة الشرعية وهي أداء الأنساك التي شرع الله في الحج والعمرة، فإذا لبى في الحج لم يخرج منه حتى يقف بعرفات وحتى يرمي يوم العيد ثم يحلق ويتحلل التحلل الأول، ثم بعد الطواف والسعي يتم له التحلل الكامل هذا هو الذي شرعه الله سبحانه وتعالى، فالحاج حين يحرم بالحج يبقى حراماً ولا يتطيب ولا يقص أظفاره ولا يأخذ من شعره ولا يأت أهله ولا يصيد، إلى غير ذلك مما حرم الله في الإحرام فإذا وقف بعرفات يوم التاسع، بات بمزدلفة ليلة العاشر ثم في الصباح يرمي الجمرات جمرة العقبة بسبع حصيات كما رماها النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم بعد ذلك يشرع له أن ينحر هديه إن كان عنده هدي، ذبْح، وإن لم يكن عنده ذبْح ولم يتيسر له حلق أو قصر وتحلل، يحلق رأسه ويقصر أطرافه بمقراض ويتحلل، وهذا يقال له التحلل الأول، ثم بعدما يطوف ويسعى في يوم العيد أو بعده يتم حله من حجه الحل الكامل، في التحلل الأول يباح له الطيب ولبس المخيط ونحوهما ما عدا النساء، وإذا طاف وسعى بعد الحلق يوم الرمي حل له الحل كله، حل له الطيب والنساء وجميع محظورات الإحرام، وبهذا تم حجه وعليه أن يكمَّل ما بقي من رمي الجمار أيام التشريق وعليه مع ذلك المبيت في منى إن لم يعرض عن ذلك مرض أو نحوه، وعليه مع ذلك طواف الوداع عند كماله حجه وعند إرادته السفر، وهكذا العمرة إذا أحرم بها ليس له التحلل منها حتى يطوف ويسعى ويقصر أويحلق، فإذا طاف بالبيت العتيق سبعة أشواط وصلى خلف المقام ركعتين وسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط وحلق أو قصر تمت عمرته، وهذا معنى قوله سبحانه: وأتموا الحج والعمرة لله، ثم قال تعالى: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي، إذا أحصر ساغ له حينئذ أن يتحلل لأنه معذور، فساق له أن يتحلل قبل أن يطوف ويسعى مثلما أحصر النبي -صلى الله عليه وسلم- في يوم الحديبية ومنعه كفار مكة أن يدخل مكة فنحر هديه وحلق رأسه وتحلل ومضى أصحابه في ذلك، وفي هذا المعنى يقول الله جل وعلا: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي، يعني فاذبحوا ما تيسر من الهدي إما شاة واحدة عن الرجل والمرأة، وبدنة عن سبعة وبقرة عن سبعة، هكذا المحصر يفعل، إذا منع من مكة ومنع من دخولها، بعدو أو غيره مما يمنع من دخول مكة، أو مرض منعه حتى لا يستطيع على الراجح الدخول والعمل، يتحلل، ينحر هدياً شاة أو بقرة أو بدنة لكن الشاة عن الواحد فقط، أما البقرة والبدنة فتكون عن الواحد وعن السبعة، إن ذبحها واحد فلا بأس، وإن ذبحها اثنان فلا بأس وإن ذبحها ثلاثة فلا بأس وإن ذبحها سبعة فلا بأس، يعني البدنة والبقرة تجزئان عن الواحد وعن اثنين وعن ثلاثة وعن أربعة وعن خمسة وعن ستة وعن سبعة، أما الشاة الواحدة من الضأن أو من المعز فإنها لا تجزئ إلا عن واحد إما رجل وإما امرأة فقط في الحج، ثم قال: ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله، معناه أن المحصر لا يحلق حتى يذبح هذا المحصر، إذا أحصر فإنه يذبح أولاً ثم يحلق ولا يبدأ بالحلق بل يبدأ بالنحر، ولهذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ينحروا ثم يحلقوا، أما في الحج فله أن يبدأ بالحلق لا بأس يجوز كما بين النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه سئل عمن حلق قبل أن يذبح فقال: (لا حرج) عليه الصلاة والسلام، لكن الأفضل في الحج أنه ينحر أولاً ثم يحلق هذا هو الأفضل، لكن لو حلق قبل أن يذبح أو حلق قبل أن يرمي أجزأ ذلك أما المحصر فلا، المحصر لا بد أن يبدأ بالنحر ثم يحلق للآية الكريمة، أما قوله سبحانه: فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، فهذا في حق من أصيب بالمرض ويحتاج معه إلى حلق الرأس أو إلى لبس المخيط أو إلى الطيب فهذا له الرخصة أن يحلق رأسه كما فعل كعب بن عجرة في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه آذاه رأسه فرخص له النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يحلق رأسه ويصوم ثلاثة أيام ويذبح شاة، أو يتصدق بثلاثة آصع لستة مساكين كل مسكين له نصف صاع وهذا تفسير الآية الكريمة، فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام – أي ثلاثة أيام – أو صدقة – ستة آصع لستة مساكين – أو نسك وهي ذبح شاة، هذا في حق من احتاج إلى لبس المخيط أو غيره من المحظورات، بأن يلبس المخيط عند الحاجة أو يتطيب عند الحاجة بسبب المرض أو يحلق رأسه عند الحاجة بسبب المرض وعليه أن يفعل واحدة من هذه الثلاث، إما يذبح شاة وإما أن يتصدق بستة آصع لستة مساكين لكل مسكين نصف الصاع من التمر أو نحوه من الأرز أو الحنطة أو نحو ذلك من قوت البلد أو يصوم ثلاثة أيام، هذه الأشياء الثلاثة التي أرادها الله عز وجل لقوله سبحانه: فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، فسرها النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث كعب بن عجرة، ثم بين سبحانه وتعالى، حكم التمتع، من تمتع بالعمرة إلى الحج، عليه أن يهدي إذا تمتع إلى الحج، يعني أحرم بالعمرة في أشهر الحج شوال أو ذي القعدة أو ذي الحجة ثم حج من عامه هذا يسمى متمتع فعليه أن يهدي ذبيحة يذبحها أيام العيد عن تمتعه وهي شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة فإن لم يستطع صام عشرة أيام ثلاثة أيام في الحج يعني في مكة أيام الحج قبل عرفات وإن لم يتيسر صامها أيام التشريق على الصحيح، ثلاثة بعد العيد، وسبعة إذا رجع إلى أهله فإن لم يستطع ذلك لمرض أو غيره صام العشرة كلها عند أهله ولا شيء عليه بدلاً من الهدي والله ولي التوفيق.