‏حديث " إن من البيان لسحرًا‏ "‏

السؤال: هل يفهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏إن من البيان لسحرًا‏"‏ ‏[‏رواه الإمام البخاري في ‏"‏صحيحه‏"‏ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما‏]‏ التحذير من المبالغة في أساليب الكلام والتقعر في الكلمات واختيار الألفاظ‏؟‏
الإجابة: قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن من البيان لسحرًا‏" ‏[‏رواه الإمام البخاري في ‏"‏صحيحه‏"‏ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما‏]‏، فهم منه بعض العلماء أنه من باب الذم لبعض الفصاحة، وذهب أكثر العلماء إلى أنه من باب المدح‏.‏
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في ‏"‏شرح كتاب التوحيد‏"‏‏:‏ قلت‏:‏ والأول أصح وأنه خرج مخرج الذم لبعض البيان لا كله، وهو الذي فيه تصويب الباطل وتحسينه حتى يتوهم السامع أنه حق أو يكون فيه بلاغة زائدة عن الحد أو قوة في الخصومة حتى يسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق ونحو ذلك، فسماه سحرًا، لأنه يستميل القلوب كالسحر، ولهذا لما جاءه رجلان من المشرق فخطبا فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن من البيان لسحرًا‏" ‏[‏رواه الإمام البخاري في ‏"‏صحيحه‏"‏ ‏من حديث ابن عمر رضي الله عنهما‏]‏، كما رواه مالك والبخاري وغيرهما‏.‏
وأما جنس البيان فمحمود بخلاف الشعر فجنسه مذموم إلا ما كان حكمًا، ولكن لا يحمد البيان إلا إذا لم يخرج إلى حد الإسهاب والإطناب أو تصوير الباطل في صورة الحق، فإذا خرج إلى هذا الحد فمذموم، وعلى هذا تدل الأحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها‏"‏ رواه أحمد وأبو داود ‏[‏رواه الإمام أحمد في ‏"‏مسنده‏"‏ من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما‏]‏‏.‏
وعليه فإنه ينبغي للمسلم أن يتكلم بالكلام المتوسط المعتاد، والذي يفهمه السامع، ويحصل به المقصود، ويكره التقعر في الكلام، وفي الحديث الذي رواه مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏هلك المتنطعون‏"‏ ‏[‏رواه الإمام مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏ ‏من حديث عبد الله رضي الله عنه‏]‏‏.‏ قالها ثلاثًا‏.‏
قال أبو السعادات‏:‏ هم المتعمقون في الكلام المتكلمون بأقصى حلوقهم.‏
وقال النووي‏:‏ فيه كراهة التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف الفصاحة واستعمال وحشي اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام‏.