حكم الاستفادة من الأموال المصادرة

السؤال: أخ يعمل في دائرة حكوميه رقابية، وفي بعض الأوقات تُحجز بضائع مخالفه ومقلَّدة ويتم إتلافها؛ فهل يجوز توزيع هذه البضائع على الموظفين بدلاً من إتلافها؟
الإجابة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن هذه البضائع لا تخلو من حالتين:

إما أن تكون ضارة على صحة الإنسان فلا يجوز أخذها ولا الاستفادة منها بحال بل الواجب إتلافها.

وإما ألا يكون هناك ضرر من استعمالها فيما صنعت له أو في غيره، كحال كثير من البضائع المخالفة للمواصفات القياسية، أو البضائع المقلدة، فعلى القول بجواز التعزير بالمال لولي الأمر؛ فيجوز للموظفين أخذ البضائع، سواء كان التوزيع بعلم المسؤولين أو بغير علمهم، إذا قررت الجهات المعنية إتلافها؛ لأنه لا ينتفع بها أصلاً وتتلف، فالأولى انتفاع الموظفين بها، لكن بشرطين:

الأول: أن تكون تلك العقوبة واقعة موقعها الشرعي، أما إن كان فيها أخذٌ لمال المسلم بغير حق؛ كأن يكون خالف نظامًا جاهليًّا يعارض الشرع الحنيف -مثلاً- فلا يجوز أخذه؛ لأنه مال مغصوب من صاحبه، مثل ما لو طُلب من صاحب متجر معيَّن دعم مشروع سياحي فيه مخالفات شرعية، فرفض، فعوقب بأخذ شيءٍ من ماله، فهذا ظلم له، لايجوز معه أخذ هذا المال، بل يعاد لصاحبه إن أمكن.

الثاني: أن لايترتب على أخذ الموظف لتلك البضاعة مفسدة؛ كأن تكون البضاعة مقلَّدة (مغشوشة) فلا يجوز للموظف أخذها ليبيعها على الناس، فهذا غشٌّ لهم، لكن لو استعملها هو، وأعطاها من يستفيد منها من أقارب أو معارف أو غيرهم بلا ثمن، فهذا لابأس به إن شاء الله.

هذا؛ ولما كانت هذه المسألة مخرجة على جواز التعزير بالمال فيحسن التعرض لها بشيء من التفصيل فنقول:

اعلم أن العلماء قد اختلفوا في جواز التعزير بالمال؛ فذهب جمهور الفقهاء -ومنهم: الحنفية والشافعية وأكثر الحنابلة- إلى أنه لا يجوز أخذ مال المسلم أو إتلافه أو إخراجه عن ملكه بالبيع عقوبة بلا سبب شرعي، لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يُقتدى به, ولأن المقصود بالعقوبة التأديب، والأدب لا يكون بالإتلاف، أما النصوص الواردة في العقوبة بالمال، إنما كان في أول الإسلام ثم نسخ، من ذلك: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: في مانع الزكاة بخلاً لا إنكاراً لوجوبها: "إنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد صلى الله عليه وسلم منها شيء"، وقوله صلى الله عليه وسلم في سارق جرين الجبل: "فيه غرامة مثليه، وجلدات نكال"، وقضاؤه صلى الله عليه وسلم أن سلب من أخذ وهو يصيد في حرم المدينة لمن أخذه.

كان هذا كله في أول الإسلام ثم نسخ، ثم انعقد الإجماع على أن ذلك لا يجوز، وعادت العقوبات على الجرائم في الأبدان، وفي حاشية ابن عابدين نقلاً عن "البزازية": "إن ما روي عن أبي يوسف من جواز التعزير بمصادرة الأموال فمعناه: إمساك شيء من ماله عنه مدة لينزجر، ثم يعيده له الحاكم، لا أن يأخذه الحاكم لنفسه، أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة، إذ لا يجوز لأحد من المسلمين أخذ مال أحد من المسلمين بغير سبب شرعي". قال ابن عابدين في (رد المحتار): "أرى أن يأخذها الحاكم فيمسكها، فإن يئس من توبته يصرفها على ما يراه" وقال: "والحاصل أن المذهب عدم التعزير بأخذ المال".

وحكى شيخ الإسلام ابن تيمية جواز التعزير بالمال عن مالك في المشهور عنه في مواضع مخصوصة في مذهبه، ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه، وفي مواضع أخرى فيها نزاع عنه، والشافعي في قول، على تنازع بينهم في تفصيل ذلك؛ فقال في (مجموع الفتاوى): "كما دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل إباحته سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده، ومثل أمره بكسر دنان الخمر وشق ظروفه، ومثل أمره عبد الله بن عمر بحرق الثوبين المعصفرين، "وقال له: أَغْسِلهما؟ قال: لا، بل أحرقهما"، وأَمْرُه لهم يوم خيبر بكسر الأوعية التي فيها لحوم الحمر، ثم لما استأذنوه في الإراقة أذن لهم، فإنه لما رأى القدور تفور بلحم الحمر أمر بكسرها وإراقة ما فيها، "فقالوا: أفلا نريقها ونغسلها؟ فقال: افعلوا"، فدل ذلك على جواز الأمرين؛ لأن العقوبة بذلك لم تكن واجبة. ومثل: هدمه لمسجد الضرار، ومثل: تحريق موسى للعجل المتخذ إلها، ومثل: تضعيفه صلى الله عليه وسلم الغرم على من سرق من غير حرز، ومثل: ما روي من إحراق متاع الغال، ومن حرمان القاتل سلبه لما اعتدى على الأمير.

ومثل: أمر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر، وأخذ شطر مال مانع الزكاة، وأمر عمر بتحريق قصر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الذي بناه حتى يحتجب فيه عن الناس. وقد نفذ هذا الأمر محمد بن مسلمة رضي الله عنه" وقال أيضاً: إن هذا الإتلاف للمحل الذي قامت به المعصية نظيره إتلاف المحل من الجسم الذي وقعت به المعصية، كقطع يد السارق... وليس إتلاف ذلك واجباً على الإطلاق؛ بل إذا لم يكن في المحل مفسدة جاز إبقاؤه أيضاً؛ إما لله وإما أن يتصدق به كما أفتى طائفة من العلماء بناء على هذا الأصل: أن الطعام المغشوش من الخبز والطَّبِيْخ والشِواء كالخبز والطعام الذي لم ينضج وكالطعام المغشوش، وهو الذي خلط بالرديء، وأظهر المشتري أنه جيد ونحو ذلك - يتصدق به على الفقراء؛ فإن ذلك من إتلافه، وإذا كان عمر بن الخطاب قد أتلف اللبن الذي شِيب للبيع: فلأن يجوز التصدق بذلك بطريق الأولى؛ ففي (المدونة) عن مالك بن أنس أن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض؛ أدباً لصاحبه، وكره ذلك مالك، في رواية ابن القاسم؛ ورأى أن يتصدق به".

وقال مالك في الزعفران والمسك بمثل قوله في اللبن إذا غشهما الجاني، وأجاب: على من ادعى نسخ التعزير بالمال فقال: "ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة، وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد فقد غلط على مذهبهم ومن نقله مطلقاً عن أي مذهب كان فقد قال قولاً بلا دليل. ولم يجئ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء قط يقتضي أنه حرم جميع العقوبات المالية، بل أَخْذُ الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة بذلك بعد موته، دليل على أن ذلك محكم غير منسوخ".

وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه، وبعضها قول عند الشافعي باعتبار ما بلغه من الحديث، ومذهب مالك وأحمد وغيرهما: أن العقوبات المالية كالبدنية، تنقسم إلى ما يوافق الشرع وإلى ما يخالفه، وليس العقوبة المالية منسوخة عندهما.

والمدعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ، لا من كتاب ولا سنة، وهذا شأن كثير ممن يخالف النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة، إلا مجرد دعوى النسخ، وإذا طولب بالناسخ لم يكن معه حجة.

وقال: وهي تنقسم كالبدنية إلى إتلاف، وإلى تغيير، وإلى تمليك الغير، فالأول المنكرات من الأعيان والصفات يجوز إتلاف محلها تبعاً لها مثل: الأصنام المعبودة من دون الله لما كانت صورها منكرة جاز إتلاف مادتها. وكذلك آلات الملاهي، مثل الطنبور، يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء. وهو مذهب مالك، وأشهر الروايتين عن أحمد. ومثل ذلك: أوعية الخمر يجوز تكسيرها وتخريقها. والحانوت الذي يباع فيه الخمر يجوز تحريقه. وقد نص أحمد على ذلك هو وغيره من المالكية وغيرهم. واتبعوا ما ثبت عن عمر بن الخطاب، أنه أمر بتحريق حانوت كان يباع فيه الخمر لرويشد الثقفي، وقال: إنما أنت فويسق لا رويشد. وكذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أمر بتحريق قرية كان يباع فيها الخمر، رواه أبو عبيد وغيره". اهـ. باختصار،، والله أعلم.

ـــــــــــــــــ

موقع الألوكة