صداقة المسلم للصابئ

السؤال: السلام عليكم ورحمه الله، أنا شاب مسلم والحمد لله، ولكنني لديَّ صديقٌ صابئٌ ليس مسلماً، سافر إلى أحد الدول وأنا أريد الذهاب إليه لزيارته، وتستغرق إقامتي عنده عشرة أيام. فهل يجوز الإقامة عندهم؟ وهل يجوز أن أصلي في بيتهم وآكل وأشرب وأنام؟ فما حكم ذلك؟ وجزاكم الله خير الجزاء.
الإجابة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن عقيدة الولاء والبراء من آكَدِ أصول الدين، وأوثق عُرَى الإيمان، وهَدْمُ هذا الأصل في قلب العبد، وترك ما يُوجِبه على المؤمن من الأعمال، يُعَدُّ هَدماً للإيمان كله، الذي هو مبنيٌّ على محبة أولياء الله تعالى، ومعاداة أعدائه.
وقد وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تنهى عن موادَّة الكُفَّار، والركون إليهم واتخاذِهم أصدقاءَ وخلان؛ لما قد يترتب على ذلك من مَيلِ القلب إليه والرِّضا بدينِهِ.
قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118]، وقال سبحانه: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} [هود: 113]، وقوله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً} [النساء: 144].
وقال صلى الله عليه وسلم: "من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله" [رواه أبو داود].
وروى أبو داود والترمذي عنه صلى الله عليه وسلم قال: "أنا بريءٌ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"، قالوا: يا رسول الله، ولم؟ قال: "لا تتراءى ناراهما"، وهو حديث مختلف في وصله وإرساله.
قال الشوكاني: "قوله: "فهو مثله" فيه دليل على تحريم مُسَاكَنَةِ الكفار، ووجوب مفارقتهم".
وقال: "قوله: "لا تتراءى ناراهما" يعني: لا ينبغي أن يكونا بموضع بحيث تكون نار كل واحد منهما في مقابلة الأخرى، على وجه لو كانت متمكِّنة من الأبصار لأبصرت الأخرى، فإثبات الرؤية للنار مجاز"، وقال في "نهاية المحتاج": "فلا تجب إجابة ذمي، بل تسنّ إن رُجِيَ إسلامه أو كان نحو قريبًا أو جارًا".

هذا؛ ويجوز الإحسان إلى الكافر غير الحربي، والهدية له، وبذل المعروف إليه، إذا أُريد بذلك تأليفه للإسلام، ولكن بغير مودَّة القلب، ولا تعظيمٍ لشعائر الكفر، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع وصار من قبيل ما نهي عنه؛ كما قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8].

ومما سبق يتبين أنه يَحْرُم السَّفر إلى ذلك الصابئ، والسكن معه تلك المدة؛ لما ذكرناه سابقًا، ولاشتمال بيوت هؤلاء غالباً على مُحَرَّمٍ من خمرٍ أو اختلاطٍ أو شعارت الكفر أو غيرها، كما تَحْرُم موالاته وصحبته أو مودتهم.
وهذه الموالاة لها صور عدَّة، فمنها: الرضا بكفرهم، أو مخالطتهم مع الأنس بهم، أو السكن معهم، واتخاذهم أصدقاء وخلان، أو محبتهم، أو تقديمهم على المؤمنين، فمحبة الكافر أمرها خطير جداً؛ لأنها تُنَاقِضُ باباً عظيماً من أبواب التوحيد، ألا وهو الولاء للمؤمنين؛ فقد وروى أحمد عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله".
كما أنه لا يجوز السَّفَر لبلاد أهل الشِّرك إن كان ذلك الصابئ مقيما بها إلا لمسوِّغٍ شرعيٍّ، وليس قصدُ زيارة المشرك مقصداً شرعيّاً، ولما في ذلك من الخطر على العقيدة والدين والأخلاق والتَّعَرُّض للفِتَن، إلا لحاجة شديدة، كعلاج أو علمٍ ضروريٍّ لا يوجد في البلاد الإسلامية، أو لدعوة؛ مع التَّمَكُّن من إظهار الدين، والله أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع الآلوكة.