حكم تحديد النسل واستخدام موانع الحمل

السؤال: أنا أم لطفلين، وعند حملي الأول علمت بعد إجراء التحاليل أن فصيلة دمى سالبة، وزوجي فصيلة دمه موجبة، مما يستدعى إعطائي حقنة بعد الولادة مباشرة وذلك للمحافظة على الجنين التالي، وهذه الحقنة تسمى بحقنة (RH)؛ حيث إنني ألد بعملية قيصرية، فبعد عملية الوضع الأولى لي، أخذت هذه الحقنة، أما عند حملي الثاني، فقد اتفقت أنا وزوجي على الاكتفاء بما رزقنا الله من الأولاد، وأننا سنراعي عدم حدوث حمل مرة أخرى بعد الطفل الثاني، وعلى هذا وجدنا أنه لا داعي لأخذ هذه الحقنة، حتى لا تسول لنا أنفسنا فكرة الحمل من جديد وبالفعل لم آخذ الحقنة بعد عملية الوضع الثانية. وبعد حوالي سنة علمت من أحد الأطباء أنه أذا حملت هذه المرة فان الطفل سيكون معرض للإصابة بمرض (الصفراء الخبيثة)، وهو مرض قد يؤثر على العقل إذا لم يُسعف المولود بعملية تغير دمه أثناء الولادة أو بعدها مباشرة، وهذه العملية مكلفة ونحن لا نستطيع تحمل هذه التكلفة. لذا لجأت لطبيبة مسلمة وركبت عندها (لولب) لمنع الحمل. وأسئلتي هي: 1- ما حكم الدين في عدم أخذي للحقنة؟ 2- وإذا كنت قد ارتكبت معصية بهذا الفعل فهل هناك كفارة؟ 3- وما حكم الشرع في تركيب (اللولب) في هذه الحالة؟ 4- وما حكم الشرع في الاكتفاء بهذا العدد من الأولاد، وذلك ليس مخافة الفقر، ولكن لما أعانيه أثناء فترة الحمل من الآم وتعب، وأيضاً لا أجد لدي المقدرة على تربية عدد أكبر من الأولاد، وأريد أن أربي الطفلين تربية جيدة، وأجعل منهما رجلين نافعين، وأشعر أنني إذا أنجبت أولاداً آخرين لن أستطيع القيام بواجبي كأم على الوجه الأكمل.
الإجابة: الحمدلله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن التداوي مستحب بإجماع العلماء، إلا أنه إذا ترتب على تركه محظور مثل ما ذكرته الأخت السائلة، فإنه يصبح واجباً في تلك الحال؛ لأنه متعلق بحق آدمي آخر، وهو المولود الجديد الذي سيتعرض لمضاعفات من جرَّاء عدم أخذ تلك الحقنة، وليس لهذه المخالفة كفارة محددة شرعًا، غير التوبة والاستغفار والإكثار من الطاعات.

أما كونك قصدت بذلك قطع عملية الإنجاب نهائياً بحجة الاكتفاء بعدد معين من الأولاد، فهذا أيضاً لا يجوز، وكان الأولى بك تنظيم الحمل، أو تأخيره فترة معينة بين كل ولادة وأخرى، لما تجدين من مشقة في الولادة القيصرية، وسالبة الدم. وقد صدر عن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قرار مفصل في هذه المسألة وسنذكره للفائدة:

"قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في الحكم الشرعي في تحديد النسل: نظراً إلى أن الشريعة الإسلامية تحض على تكثير نسل المسلمين وانتشاره، وتعتبر النسل نعمة كبرى ومِنَّة عظيمة مَنَّ الله بها على عباده، وقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله ـ عز وجل ـ وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ودلت على أن القول بتحديد النسل أو منع الحمل مصادمٌ للفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها، وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الله تعالى لعباده، ونظراً إلى أن دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين؛ لتقليل عددهم بصفة عامة، وللأمة العربية المسلمة والشعوب المستضعفة بصفة خاصة، حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد واستعباد أهلها والتمتع بثروات البلاد الإسلامية، وحيث إن في الأخذ بذلك ضرباً من أعمال الجاهلية، وسوء ظن بالله تعالى وإضعافاً للكيان الإسلامي، المتكون من كثرة اللبنات البشرية وترابطها.

لذلك كله؛ فإن المجمع الفقهي الإسلامي يقرر بالإجماع؛ أنه لا يجوز تحديد النسل مطلقاً، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق، لأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، أو كان ذلك لأسباب أخرى غير معتبرة شرعاً.

أما تعاطي أسباب منع الحمل أو تأخيره في حالات فردية؛ لضرر محقق لكون المرأة لا تلد ولادة عادية وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الجنين فإنه لا مانع من ذلك شرعاً.

وهكذا إذا كان تأخيره لأسباب أخرى شرعية أو صحية يقرها طبيب مسلم ثقة، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقق على أُمّه إذا كان يخشى على حياتها منه بتقرير من يوثق به من الأطباء المسلمين". اهـ.

أما تركيب ما يسمى بـ(اللولب) والأمر - كما تذكرين- من الخطورة المؤكدة على الجنين، فيجوز لكما قطع الحمل في تلك الحال، إذا كان الأطباء الذين قرروا تحقق الضرر على الحمل ثقات، كما نصَّ عليه المجمع،، والله أعلم.