غمس اليد في الإناء قبل غسلها ثلاثا بعد القيام من النوم

السؤال: سائل يسأل عن حديث النهي عن غمس اليد في الإناء بعد القيام من نوم الليل قبل أن يغسلهما ثلاثا. هل ذلك ينجس الماء أو يسلبه الطهورية، وما الحكمة في ذلك؟
الإجابة: الحديث صحيح، رواه البخاري ومسلم وغيرهما (1) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده".

والحديث يدل على النهي عن غمس اليدين في الإناء بعد القيام من نوم الليل قبل غسلهما ثلاثا. فإن فعل الإنسان ذلك، بأن غمسهما ناسيا أو متعمدا، عالما أو جاهلا: فهل يعتبر الماء نجسا، أو طاهرا غير مطهر، أو أنه باق على طهوريته؟

المشهور من المذهب أنه طاهر غير مطهر، فإن لم يجد غيره استعمله، ثم تيمم احتياطا.

والقول الثاني في المذهب: أن الماء باق على طهوريته ولو أدخل يديه فيه، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها الخرقي وأبو محمد وغيرهما، وهو قول أكثر الفقهاء، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من الأصحاب، وشيخنا ابن سعدي.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في جواب له: إن الماء لا ينجس بذلك، بل يجوز استعماله عند جمهور العلماء، كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد في رواية عنه (2).
وقال(3): والحكمة في غسل اليد، فيها ثلاثة أقوال:
▪ الأول: خوف النجاسة، مثل أن تمرَّ يده على موضع الاستجمار، لاسيما مع العرق ونحو ذلك.
▪ الثاني: أنه من باب التعبد؛ فنسلم به، ولو لم نعقل معناه.
▪ الثالث: أن ذلك لشيء معنوي؛ وهو أن الشيطان يبيت على يد النائم ويلامسها، كما في (الصحيحين) (4)، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ، فليستنثر ثلاثا؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه"، فعلم أن ذلك الغسل ليس مسبَّباً عن النجاسة، بل هو مُعَلَّلٌ بمبيت الشيطان على خيشومه. فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار.أ.هـ. ملخصا.

وقال النووي في (شرح مسلم) (5): وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "أين باتت يده"، استحباب استعمال ألفاظ الكنايات فيما يُتَحَاشى التصريح به؛ إذ لم يقل: فلعل يده وقعت في دبره، أو على ذكره، أو نجاسة، أو نحو ذلك، وإن كان هذا هو المقصود. ونظائر ذلك في القرآن والأحاديث كثيرة. هذا إذا كان السامع يفهم بالكناية المقصود، فإن لم يفهمه فلا بد من التصريح؛ لنفي اللبس، وعليه يحمل ما جاء مصرحا به من ذلك. والله أعلم.

___________________________________________

1 - البخاري (162)، ومسلم (278)، وأبو داود (103، 104، 105).
2 - (مجموع الفتاوى) (21/46).
3 - (مجموع الفتاوى) (21/ 44).
4 - البخاري (3295) واللفظ له، ومسلم (238).
5 - (3/ 179، 180).