توجيه حول إحساس الداعية

شيخ عبد العزيز بعض الرسائل التي تصل إلى هذا البرنامج يعبر أصحابها بعبارات تدل على التألم والاحتراق، بل وربما الحسرة في بعض الأحيان، لعل لسماحة الشيخ من توجيه حول إحساس الداعية؟
وهذا مما تقدم؛ لأن مشاهدة صاحب الغيرة ، وصاحب العلم من المنكرات الكثيرة، وقلة المنكرين لها، وفشوها في غالب المجتمعات، لا شك أنه يؤلم المؤمن ، ولا شك أنه يجد منه حسرة في قلبه لكونه يعجز عن إنكار هذه المنكر، والقضاء عليه، فيتألم لذلك، حتى بلغنا عن بعض السلف أنه كان إذا رأى المنكر يبول دماً من شدة ما يقع في قلبه من التألم، والحاصل أن أصحاب الغيرة ، وأصحاب العلم والفضل يتألمون كثيراً مما يشاهدونه من المنكرات ، وهم عاجزون عن إنكارها ، والقضاء عليها، ويفرحون إذا وجد من ينكرها ، ويستطيع الدعوة إلى تركها ، هذا لا شك أنه يبشر بخير ، ولكن نبشرهم أنهم على خير، وأنه ينبغي لهم أن لا ييأسوا ، وأن لا يقنطوا ، وأن يستمروا في إنكار المنكر حسب طاقتهم ، وأنه لا يكفي مجرد التألم، بل لابد مع التألم من إنكار المنكر، بالطرق التي شرعها الله، باليد عند القدرة ، ثم اللسان عند القدرة، ثم القلب، كراهة المنكر ، وعدم المجالسة لأهله، هكذا يجب على المؤمن أينما كان، ولا ييأس أبداً، والله يقول: وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [(87) سورة يوسف]. فالواجب على المؤمن ، وعلى طالب العلم، وعلى المؤمنة وعلى طالبات العلم، أن يبذل كلاً منهم ما استطاع في هذا السبيل، وأن لا ييأس بل يكون أينما كان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ، داعياً إلى الله - عز وجل -، مما أعطاه الله، مما علمه الله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [(16) سورة التغابن]. ولو هدى الله على يده واحداً كان خيراً عظيماً ، ولو هدى الله على يدها امرأة واحدة كان خيراً عظيماً ، فقد ثبت عن رسول الله - عليه الصلاة والسلام - أنه قال لعلي بن أبي طالب أمير المؤمنين – رضي الله عنه - لما بعثه إلى خيبر ليدعو اليهود .... إلى الإسلام ، قال له صلى الله عليه وسلم: (فو الله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم). يبين له أنه ليس المقصود قتالهم ، وليس المقصود أخذ أموالهم ، وليس المقصود سبي ذرياتهم ونسائهم ، لا، المقصود دعوتهم إلى الله، المقصود إخراجهم من الظلمات إلى النور، المقصود هدايتهم حتى يدخلوا في الإسلام ، وحتى يسلموا من النار، ولهذا يقول سبحانه: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [(1) سورة إبراهيم]. ما أنزل ليحرقهم ، أو ليقتلهم، أنزل ليخرجهم ويدلهم على الخير، فهذا هو المطلوب من الدعوة ، وهو المطلوب من الرسل، لكن عند المعاندة ، وعند عدم الاستجابة من المدعوين ينتقل حينئذ المسلمون معهم إلى الأمر الآخر وهو القتال حتى يردوهم إلى الحق بالقوة ، وحتى يخلصوا ذرياتهم ونسائهم من هذا الإثم، وحتى يدخلوهم في الإسلام، حتى يستعينوا بأموالهم ، وما أعطاهم الله على دين الله وإقامته، وعلى دعوة الآخرين إلى الله - عز وجل -، فالقتال ليس المقصود بالقصد الأول، إنما هو المقصود بالقصد الثاني، فإذا تيسر دعاؤهم إلى الخير وهدايتهم ، وإقبالهم على الحق وقبولهم، فهذا هو المطلوب ، فإذا عاندوا وكابروا شرع قتالهم حينئذ حتى يدخلوا في الإسلام ، أو يؤدوا الجزية إن كانوا من أهل الكتاب أو من المجوس ؛ كما جاءت به السنة ، ودل عليه الكتاب العظيم، فالمقصود من هذا كله أن الدعوة إلى الله هي الأساس الأول ، وأن الصبر عليها من أهم المهمات ، وأن الشخص الواحد إذا هداه الله على يد إنسان خير له من الدنيا وما عليها، وأن له مثل أجره كما قال صلى الله عليه وسلم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله). هذه غنيمة عظيمة تجعل الداعي إلى الله ، وتجعل المجاهدين يشمرون عن ساعد الجد ، ويصبرون على الأذى حتى يدركوا هذا المطلب العظيم.