هل تجب نفقة علاج الزوجة على الزوج؟

السؤال: تقول السائلة: إنها قرأت فتوى لبعض العلماء تنص على أنه لا يجب على الزوج تحمل مصاريف علاج زوجته ولا يلزمه شراء الدواء لها فما قولكم في ذلك؟
الإجابة: اتفق أهل العلم على وجوب إنفاق الزوج على زوجته، وقد دل على ذلك نصوص كثيرة من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فمنها قوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف} [سورة البقرة الآية 233]، وقوله تعالى: {لينفق ذو سعةٍ من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممّا ءاتاه الله لا يكلّف الله نفساً إلا ما ءاتاها} [سورة الطلاق الآية 7]، وقوله تعالى: {أسكنوهنّ من حيث سكنتم من وجدكم} [سورة الطلاق الآية 6].

وقوله صلى الله عليه وسلم: "أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما تكتسون ولا تضربوهن ولا تقبحوهن" (رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/402)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال صلى الله عليه وسلم: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (رواه البخاري ومسلم)، وعن حكيم بن معاوية رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تقبح الوجه ولا تهجر إلا في البيت" (رواه أبو داود، وقال الألباني حديث حسن صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود 2/402)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: "ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم... ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا لهن في كسوتهن وطعامهن" (رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، سنن الترمذي مع شرحه التحفة 4/274. وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي 1/341)، وغير ذلك من النصوص.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: "نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب..." ثم ذكر النصوص الموجبة للنفقة من الكتاب والسنة ثم قال: "وفيه دلالة على وجوب النفقة لها على زوجها، وأن ذلك مقدر بكفايتها، وأن نفقة ولده عليه دونها مقدر بكفايتهم، وأن ذلك بالمعروف وأن لها أن تأخذ ذلك بنفسها من غير علمه إذا لم يعطها إياه.
وأما الإجماع فاتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن، إذا كانوا بالغين إلا الناشز منهن ذكره ابن المنذر وغيره وفيه ضرب من العبرة، وهو أن المرأة محبوسة على الزوج يمنعها من التصرف والاكتساب فلا بد من أن ينفق عليها..." (المغني 8/195).

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "وقال الطبري ما ملخصه: الإنفاق على الأهل واجب والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده ولا منافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صدقة بل هي من صدقة التطوع، وقال المهلب: النفقة على الأهل واجبة بالإجماع وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر فعرّفهم أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفوهم ترغيباً لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع" (فتح الباري 11/425).

.. وبعد اتفاق الفقهاء على وجوب النفقة على الزوج اختلفوا في أنواع النفقة الزوجية، فأوجبوا على الزوج أن ينفق على زوجته فيما يتعلق بالمأكل والمشرب والملبس والمسكن، وذهب جمهور الفقهاء بما فيهم أصحاب المذاهب الأربعة إلى عدم وجوب أجرة الطبيب ولا ثمن العلاج على الزوج، وخالف آخرون فأوجبوا ذلك على الزوج، ويجب أن يُعلم أولاً أن المسألة ليس فيها نصوص خاصة، وإنما هي مسألة اجتهادية وللعرف فيها اعتبار، وقال ابن عبد الحكم الفقيه المالكي بوجوب تحمل الزوج لنفقات علاج زوجته وهو قول الزيدية وهذا قول وجيه يؤيده عموم النصوص الواردة بالإنفاق على الزوجة بالمعروف وحسن معاشرتها بالمعروف أيضاً، وقد مشت معظم قوانين الأحوال الشخصية على هذا الرأي، وأفتى به جماعة كبيرة من أهل العلم المعاصرين، فقد ورد في المادة رقم 66 من قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية في بلادنا ما يلي: "نفقة الزوجة تشمل الطعام والكسوة والسكنى والتطبيب بالقدر المعروف...".

ويُحتج لهذا القول بالعمومات الواردة كما في قوله تعالى: {وعاشروهنّ بالمعروف} [سورة النساء الآية 19]، قال الإمام القرطبي: "قوله تعالى: {وعاشروهنّ بالمعروف} أي على ما أمر الله به من حسن المعاشرة، والخطاب للجميع إذ لكل أحد عشرةٌ -زوجاً كان أو ولياً-، ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج، وهو مثل قوله تعالى: {فإمساكٌ بمعروفٍ}، وذلك توفية حقها من المهر والنفقة، وألا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون منطلقاً في القول لا فظاً ولا غليظاً ولا مظهراً ميلاً إلى غيرها، والعشرة: المخالطة والممازجة... فأمر الله سبحانه بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن لتكون أدمة ما بينهم وصحبتهم على الكمال فإنه أهدأ للنفس وأهنأ للعيش وهذا واجب على الزوج..." (تفسير القرطبي 5/97)، ولا شك أن معالجة الزوجة إن مرضت وتأمين الدواء لها من المعاشرة بالمعروف.

وكذلك قوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف} فإن أجرة العلاج وثمن الدواء داخل في الرزق، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند زوجة أبي سفيان: {خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف}، فهذا يشمل كل ما تحتاج إليه الزوجة وأولادها ويدخل فيه الأدوية وأجرة العلاج.

ولعل جمهور الفقهاء الذين قالوا بعدم وجوب أجرة العلاج على الزوج بنوا هذا الحكم على ما كان معروفاً في زمانهم، وخاصة أن الناس كانوا يعتنون بصحتهم ويتعالجون بأدوية طبيعية غير مكلفة، وأما في زماننا فقد اختلفت الأمور كثيراً وصار العلاج مكلفاً، وكذا ما يترتب على ذلك من أجور المستشفيات ونحوها، قال العلامة ابن عابدين الحنفي في منظومته:
والعرف له اعتبار *** فلذا الحكم عليه قد يدار
(انظر نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف في الجزء الثاني من رسائل العلامة ابن عابدين ص112).

ويجب أن يعلم أن هذا الإنفاق يؤجر عليه الزوج أجراً عظيماً، فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك" (رواه مسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم: "أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله" (رواه مسلم)، وعن أبي مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة" (رواه البخاري ومسلم)، وعن سعد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنك مهما أنفقت على أهلك من نفقة فإنك تؤجر حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك" (رواه البخاري ومسلم).

.. وخلاصة الأمر أنه يلزم الزوج معالجة زوجته المريضة، وعليه تحمل تكاليف علاجها ما دام مستطيعاً ويكون ذلك حسب العرف السائد في المجتمع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ حفظه الله.