حكم رياضة كمال الأجسام

السؤال: هل لممارسة رياضةِ كمال الأجسام ضررٌ؟ وهل هي حرامٌ أم حلال؟
الإجابة: الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فلا شكَّ أنَّ الرياضةَ التِي تهدف إلى بناءِ الأجْسام وتقوِيَتِها تُعَدُّ من الرِّياضات المشروعة، والتي رغب فيها الشَّرع، وحثّ عليها بشَرْطِ ألاَّ تُفْضِي إلى مُحَرَّم، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} الآية [الأنفال: 60]، وروَى مُسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمِنِ الضعيف" الحديث.
إلا أنَّ الإسلام عندما رغَّب في الرياضة وحثَّ عليها، لم يَجعلها هدفًا أو غايةً في نفسها، بلِ اعْتَبَرَها وسيلةً من وسائِلِ القُوَّة لِحماية الدين ونُصرةِ المسلمين وإنقاذِ المُسْتَضْعَفِين.

فإذا كان القصد من مُمارسةِ هذه الرِّياضة هو التقوِّي على أداء العبادات، والنُّصرة لدين الله والدفاع عن حرماته، والذَّوْد عن حياض المسلمين، فإنَّه قصدٌ مَحمودٌ وصاحِبُه مأجورٌ إن شاء الله.

وإذا كان القصد من مُمارستِها الترويحَ عن النفس، والمُحافظة على الصِّحَّة، كانتِ الرِّياضةُ مُباحةً، وإذا تَحوَّلت الرياضةُ إلى هدف في حدِّ ذاته، تَشغَلُ عمَّا ينفع المسلمَ في دينه أو دُنياه، ووقَف لها وقتَهُ ليفْتَخِر بِجسمه، ويزهو بِقُوَّتِه – كما هو حالُ غالب الشباب اليوم- فذلك مذمومٌ، وبذلك تكون قد تحوَّلت عنِ المُراد منها شرعًا، ويَنبغي للمُسْلِم ألا يُضَيِّع وقْتَهُ فيما يعود عليه بالوبال، قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} [المنافقون: 4].

وعن أبي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "لا تزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القِيامة حتَّى يُسْأَلَ عن عُمُرِه فيما أَفْنَاه، وعن عِلْمِه فيم فَعَلَ، وعن مالِه من أين اكتسبَهُ وفيم أنفقه، وعن جسمِه فيم أبلاه" (رواه الترمذي وصحَّحَهُ).

أمَّا إذا جرّت تلك الرياضة للوُقُوعِ في الحرام، كأن تُلْهِي المسلمَ عن ذِكْرِ اللَّه وعنِ الصلاة، أو تُؤَدِّي إلى كَشْفِ العورات، أوِ اخْتِلاطٍ بِالنساء أو غيره من المحرَّمات، ففي هذه الحالة تكونُ مُحرَّمةً لأنَّها أَفْضَتْ إلى مُحَرَّم؛ لأنَّ المُباحَ إذا كان وسيلةً إلى مُحرَّم صار مُحرَّمًا تَحريم الوسائل.

يقول العلاَّمة ابْنُ العثيمين: مُمارسةُ الرِّياضة جائزةٌ إذا لم تُلْهِ عن شيء واجب، فإنْ ألْهَتْ عن شَيْءٍ واجبٍ فإنَّها تكون حرامًا، وإن كانت ديدَنَ الإنسانِ بِحَيْثُ تكون غالبَ وقتِه فإنَّها مضيعةٌ لِلوقت، وأقلُّ أحوالِها في هذه الحالة الكراهة.

أمَّا إذا كان الممارسُ للرياضة ليس عليه إلا سِرْوالٌ قصيرٌ يَبْدُو منه فخِذُه أو أكثَرُه، فإنَّه لا يَجوز، فإنَّ الصحيح أنَّه يَجب على الشباب سترُ أفخاذِهم، وأنه لا يَجوز مشاهدةُ اللاَّعبينَ وهُم بِهذِه الحالةِ منَ الكَشْفِ عن أفخاذِهِم".

أمَّا عن الأضرار النَّاتِجة من مُمارسة رِياضةِ كمالِ الأجسام فيُرْجَعُ فيه إلى الأطبَّاء المتخصِّصين، ولكنَّ هناك بعضَ مُمارسي هذه اللعبة يتناولون "هرمونات بناء العضلات" والَّتِي ثبت علميًّا أنَّ لها ضررًا في استعمالِها، وقد حذَّرت دراسةٌ طبِّيَّة منِ استخدامها بشكْلٍ غَيْرِ مَدروسٍ وبعيدًا عنِ الإشْرَاف الطِّبِّي؛ حيثُ ينتجُ عنها الكثيرُ من التَّأثيرات الجانبيَّة، بعضُها قابل للعلاج والبعض الآخر مُزْمِنٌ ونِهائي.

كما ذَكَرتْ دراسة أعدَّتْها الجمعيَّة الصيدليَّة الكويتيَّة أنَّ التَّأثير الهرمونيَّ بدون الإشراف الطِّبِّي يُسْفِرُ عنه ضعفٌ جنسيٌّ عامٌّ، وعدم القدرة على الإنجاب -يتأخر ظهور تلك الأعراض عند البعض- إضافةً إلى ظهور حَب الشباب والصلع المبكِّر وكِبَر حجم الثُّندُؤة؛ وهو الثَّدْيُ للرجل.

يقول الدكتور سعيد الحفناوى أستاذُ العقاقير بكُلِّيَّة الصيدلة جامعة القاهرة، وعضوُ لجنة المنشِّطات باللجنة الأوليمبيَّة: هناك عِدَّة أنواعٍ من المنشِّطات لكنَّ أخطَرَها هو ما يُسمَّى بـ "الهرمونات البنائية" والَّتِي تَعْمَلُ على تضخيمِ الكتلة العضلية، حيثُ إنَّها تُسبِّب بعضَ الأمراضِ مثلَ: العُقْمِ، وجلَطات المُخِّ ونزيفه، والتحوُّل الجنسي: الذكر إلى أنثى - والأنثى إلى ذكر، إضافةً إلى العديد من الأمراض الأُخْرَى.

والحاصل؛ أنه ينبغي لممارس تلك الرياضة البدنية مراجعة طبيب متخصص، كما أنه لا يَحِلُّ تناولُ الهرمونات المذكورة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضَرَرَ ولا ضِرَار" (رواه ابن ماجه عَنْ عُبادةَ بْنِ الصَّامتِ، وحسنه النَّووِيُّ، وصحَّحه الألباني في إرواء الغليل)،، والله أعلم.